لم يحجب ارتفاع عداد الاصابات بالكورونا ودخول لبنان مرحلة التفشي الوبائي وبداية المرحلة الرابعة للفايروس النظر عن ملفات لها أهميتها ونالت قسطا واسعا من الجدل السياسي في الأسبوعين الماضيين ، فالتدقيق المالي الجنائي في حسابات مصرف لبنان الذي كلفت به الحكومة شركة دولية متخصصة تتولى التدقيق لمدة ثلاثة أشهر يمكن ان يصار بعدها الى تمديد الفترة الى ثلاثة أشهر اضافية، لا يزال محور متابعة في الأوساط القانونية والسياسية ولدى الخبراء الماليين وسط شكوك من ان يكون مصير التحقيق المالي شبيها بملفات أخرى تناولتها حكومة الـ97 بالمئة من الانجازات مع شكوك بتسييس القضية ايضا وأخذها في اتجاهات أخرى وتغيير مسارها الحقيقي.

التدقيق المالي الجنائي وفق مصادر سياسية يفترض ان يكون خطوة مفصلية ومهمة لكن الظروف كلها المتعلقة به لا توحي بالاطمئنان وبان الأمور سوف تجري وفق الآليات الشفافة. ويطرح الخبراء الماليون في مجالسهم تحفظات أساسية تتعلق بعملية التدقيق، فالمفترض ان تقدم العملية كشفا واضحا لحسابات دخول الأموال وخروجها من مصرف لبنان تمهيدا لاعادة تنظيمها وصولا الى تحديد الخسائر بما يتيح معرفة واقع المال العام في الدولة، إلا ان العملية تسودها شوائب ويتحدث الخبراء عن مجموعة من الثغرات، فمن يضمن أولا ان الشركة الدولية المنتدبة للتدقيق متخصصة ولا يشوبها اي شائبة حيث يتحدث الخبراء عن وجود خبراء اسرائيليين من ضمن فريق عملها، وفي هذا السياق أتى اعتراض وزراء حركة أمل وحزب الله في مجلس الوزراء على الرغم من تبني وزير المالية غازي وزني لمشروع السير في اعتماد الشركة المحسوب على الفريق الشيعي في الحكومة.

من الناحية السياسية تعبر قيادات من فريق معارض لعملية التدقيق من توجسها مما يحصل ومن تحويل  التحقيق المالي الى وسيلة انتقامية لتصفية الحساب مع الخصوم في اطار التهويل الذي  يمارسه فريق سياسي ضد حاكم مصرف لبنان  رياض سلامه تمهيدا لاقالته عندما تأتي الفرصة وتعيين مرشح للحاكمية تسميه جهات سياسية معينة من فريقها خصوصا ان الحملات لم تهدأ بين التيار الوطني الحر والمصرف المركزي وبينهما مد وجزر مفتوح.

 السؤال الأساسي الذي يطرحه البعض لماذا لا يكون التدقيق شاملا لقطاعات الكهرباء والاتصالات والصناديق وسائر المرافق التي جرى فيها هدر المال العام؟ ولماذا اختصار الملف على التدقيق في حسابات المصرف المركزي؟ هذا ما أثار مخاوف من ان يكون الهدف فقط الهاء الرأي العام عن قضايا أخرى وملفات خطيرة يتم تمريرها في الوقت الضائع في ظل انشغال الناس بالأزمتين الاقتصادية والمالية وبجائحة كورونا، فالخطة هامة ومفصلية  في اطار مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة شرط ان تقترن بالشفافية وان لا تحصل استثناءات فيتم التدقيق في كل الادارات.

من الناحية القانونية يتوجس الخبراء في هذا الشأن من تجاوز قاونين السرية المصرفية والنقد والتسليف، فالمحاسبة والمساءلة من اختصاص ديوان المحاسبة الذي يتولى التدقيق في الحسابات العامة.

ووفق مصادر سياسية فان فتح التدقيق المالي والجنائي في حساب المصرف المركزي يشبه اي قضية أخرى  تم تناولها في اطار المحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة، وقد تكون رسالة الى المجتمع الدولي بعزم الحكومة على الاصلاح انتهت مفاعيلها وآثارها بانتهاء زيارة وزير الخارجية جان ايف لودريان الى لبنان. كما يتوقع الخبراء مزيد من احباط المسؤولين الدوليين واكتشافهم عن كثب ان لا اصلاح «ولا من يحزنون» في الدولة اللبنانية بل استمرار في التمييع واهدار الوقت وعليه وترجح مصادر سياسية ان لا يصل التحقيق الى اي نتيجة اذ قد تحصل تطورات تعيق استكماله في غياب الاجماع الداخلي والتشكيك حوله.