ليس للتفاؤل مكان في المشهد اللبناني العام. فاذا كانت الموجة الجديدة لكورونا كما طرح الحياد الذي خرجت به بكركي اكتسحا العناوين خلال الايام الماضية، الا انهما ورغم عناصر الاثارة فيهما والتي قد تستمر بجذب الرأي العام، لن ينجحا بتصدر الاهتمامات طويلا خاصة في ظل الانهيار المالي المتسارع والذي سيعود ليفرض نفسه ضيفا ثقيلا جدا وان كان أصلا لم يغادر  يوميات اللبنانيين محولا اياها الى كوابيس لن يكون بالامكان تخطيها قريبا.

وبعد تعثر وتعليق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي نتيجة الخلافات الداخلية اللبنانية على تحديد الخسائر، لم يتم، بحسب المعلومات، تحقيق اي خروقات بموضوع توحيد الارقام في ظل تمسك كل طرف بأرقامه. وقال أحد أعضاء الوفد اللبناني الذي يفاوض صندوق النقد ان العودة الى المفاوضات غير متاحة اليوم واصفا «خيار» الصندوق بالوقت الحالي بـ «المتعثر».

وبالرغم من ان الملف تحرك شكليا بجولة وفد «لازارد» الاخيرة في بيروت،  وهو الذي كان قد شارك باعداد الخطة الحكومية لاجراء لقاءات ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الفريق الحكومي والفريق النيابي بهدف تعديل الخطة، الا ان كل الاجواء المحيطة باللقاءات لا توحي بـ «انجاز» قريب في هذا المجال.

ونبه عضو الوفد المفاوض في حديث لـ «الديار» مفضلا عدم الكشف عن هويته، من ضغوط كبيرة تمارس لاسقاط الخطة الحكومية ومعها خيار الصندوق خدمة لمصرف لبنان والمصارف، اللذين يرفضان المشاركة الفعلية بتحمل الخسائر ويعملان لتحميلها بشكل اساسي للمودعين الذين يشهدون منذ اشهر على هيركات 50%  مع وضعهم امام خيار وحيد يقضي بسحب اموالهم التي اودعوها بالدولار الاميركي على سعر صرف 3850 ليرة علما ان سعر الصرف الواقعي الا وهو سعر صرف السوق بات يتراوح ما بين 7 و 9 آلاف ليرة.

ويستبعد المصدر ان تكون هناك اي خروقات تذكر لجهة العودة الى المفاوضات مع صندوق النقد قريبا، موضحا ان المفاوضات الجدية معه لم تبدأ اصلا بعد وقد انحسر البحث في الاجتماعات الـ 17 الماضية بالارقام التي كانت للاسف غير موحدة لبنانيا ما فاقم عدم الثقة التي يتكىء عليها الصندوق في مفاوضة لبنان.

واذا كان المسؤولون اللبنانيون سيحاولون اغراء صندوق النقد بالقرار الذي اتخذته الحكومة مؤخرا بتوكيل شركة للتدقيق الجنائي بحسابات مصرف لبنان، بوصفه اصلاحا استراتيجيا، الا ان المسؤولين في الصندوق، وبحسب المعلومات، لن يتأثروا باصلاح يتيم او اصلاحين او 3، باعتبار انهم طلبوا سلسلة اصلاحات وهم لن يعودوا الى طاولة التفاوض قبل تحقيقها.

ولعل من يعرقل خيار صندوق النقد ليس الفريق الذي يسعى لالقاء المسؤوليات عن كاهله والتهرب من المشاركة بتحمل الخسائر حصرا، اذ تشير مصادر معنية بالملف الى أن حزب الله ليس «متحمساً» في هذا المجال، باعتباره ومنذ طرح خيار الصندوق كان معارضا له بالعلن قبل ان يسير به. وتضيف المصادر: «الحزب لا يزال غير مقتنع بخيار الصندوق خاصة وان المبلغ الذي يحكى انه قد يعطى للبنان في حال رضخ لشروطه متواضع جدا مقارنة بالمبالغ المطلوبة للنهوض بالبلد، اضف انه  يعتبر الصندوق آداة اميركية لفرض ارادة واشنطن على الساحة اللبنانية، ومن هنا كان طرحه التوجه شرقا وبعده الجهاد الزراعي والصناعي».

وتعتبر المصادر اننا بتنا اكثر من اي وقت مضى اقرب الى السيناريو الفنزويلي، لافتة  الى ان الكباش المستمر بين القوى السياسية حول تحديد الخسائر والارقام يضيع علينا مزيدا من الوقت ويساهم بازدياد هذه الخسائر، مضيفة:«على كل حال هناك اصلا من يراهن على الوقت لاعتباره ان تخفيض العملة يلعب دوره بتصحيح اختلالات مصرف لبنان، وان انخفاض المستوى المعيشي يحقق التوازن في ميزان المدفوعات علما اننا على يقين ان السير بهذا التوجه سيؤدي لهجرة كبيرة للبنانيين وسيعيدنا مهما طال الوقت الى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد لكن بموقع أضعف من الذي نحن فيه ما يعني خسائر اكبر وبالتالي اثمانا باهظة واجراءات اكثر ايلاما من تلك المتداولة اليوم».

وترد المصادر على السؤال الذي يطرحه معظم اللبنانيين بخصوص المدة الزمنية التي سيكون علينا خلالها التأقلم مع الواقع الراهن والذي سيزداد على الارجح صعوبة، متحدثة عن عقد كامل من الزمن!

فهل يبقى اللبنانيون المهددون بالجوع وبفقدان المواد الاساسية والمحاصرون داخل بلدهم بعد مصادرة اموالهم من قبل المصارف راضخين لواقعهم المرير؟! ام ينتفضون مجددا ليحملوا من أعد وساهم واستفاد من السياسة النقدية التي أدت الى الانهيار المالي الحاصل مسؤولياته كاملة!