لم تكن زيارة الدعم الفرنسية للبنان سوى محطة ديبلوماسية أرادت منها باريس وعواصم القرار الغربية، توجيه رسالة حازمة إلى القوى السياسية اللبنانية كافة، ومن دون أي استثناءات، بوجوب الإستنفار والتحرك سياسياً ومالياً وإدارياً وحتى أمنياً وصحياً قبل الغرق في مستنقع الإنهيار الكامل. لكن هذه الرسالة الفرنسية الحازمة، وفق ما وصفتها مصادر ديبلوماسية مطّلعة، حملت في طياتها نصيحة بوجوب الحفاظ على الإستقرار العام في لبنان في مرحلة تقطيع الوقت الإقليمية والدولية، وفي هذا المجال يأتي الحديث عن الدعم الفرنسي للتجديد لقوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان من دون أي تعديل في مهامها، مقابل الإصرار الأميركي على حصول هذا التعديل في آب المقبل. وأوضحت هذه المصادر، أن الزائر الفرنسي تحدث عن معادلة الصراع الأميركي ـ الإيراني في المنطقة، وتأثيره على الساحة اللبنانية، وإنما بطريقة مباشرة وعبر إشارته إلى مبدأ  النأي بالنفس عن هذا الصراع، وهو ما شكّل مساحة تلاقٍ مشتركة ما بين فرنسا ولندن اللتان تنسّقان في ملفات المنطقة، ومن ضمنها الملف اللبناني.

ومن هنا، فإن ترابطاً واضحاً برز من خلال المواقف الفرنسية والبريطانية التي أعلنت من بيروت ومن لندن من خلال التحرك الإفتراضي لوزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني جيمس كليفرلي، كما أضافت المصادر الديبلوماسية التي لفتت إلى التعاون المستمر ما بين الجيشين البريطاني واللبناني، والذي شهد عدة محطات بارزة خلال الأعوام الماضية، وبدأ يتبلور أكثر من خلال الدعم المباشر في معركة الجيش اللبناني ضد الإرهاب العام 2014، علماً أن هذا الدعم يسير بالتزامن مع الدعم الأميركي للجيش على أكثر من مستوى لوجستي وعسكري.

وكشفت المصادر الديبلوماسية التي شاركت في أحد اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي، أن ما من تعارض في مواقف دول الإتحاد الأوروبي وواشنطن إزاء لبنان لجهة دعمه في أزمته الراهنة، وإن كانت المقاربات تختلف، وذلك كون كل هذه الأطراف متفقة على جملة ملفات هي في ملعب هذه الأطراف المحلية، ومن هنا، فإن الإتجاه الديبلوماسي الغربي والأوروبي بشكل خاص، الذي عبّر عنه بصراحة الوزير لودريان، هو لإعلان حال الإستنفار في لبنان بعدما وصل الجميع إلى «قعر الهاوية» وفق التعبير غير الديبلوماسي الذي استخدمه، حيث أن المصادر نفسها تقول أن الدعم الفرنسي الإنساني والتربوي والإكتفاء ب»دقّ» ناقوس الخطر على كل المستويات الأخرى وتكرار المواقف الفرنسية السابقة، قد حمل في طياته خلاصة واحدة، وهي أن باريس والدول المانحة لن تقف إلى جانب لبنان، وخصوصاً على المستوى المالي، أي بكلمة واحدة لن تفتح له باب المساعدات المالية كما كان يحصل في السابق، ولن تكون هناك بالتالي أية مشاريع دعم كما جرى تسريبه في الأيام الماضية حول برامج دعم فرنسية باستثناء الإبقاء على «مليارات» مؤتمر «سيدر» المحجوزة للبنان منذ ثلاث سنوات بانتظار تنفيذ الخطة التي سبق وقدّمتها حكومة الرئيس سعد الحريري إلى الدول المانحة، وما زالت حبراً على ورق.

ومن ضمن هذا السياق، تتحدث المصادر نفسها، عن أن زيارة الوزير الفرنسي إلى بيروت، والتي أتت ضمن جولة له في المنطقة، أكدت ما كان معلوماً من الجميع، وهو أن الإنهيار ينذر بأن يصبح مصيراً محتوماً، إلا إذا استجابت القوى السياسية لكل النداءات المحلية والخارجية بالتغيير وبالإمساك بزمام المبادرة وتنفيذ وعود الإصلاح والتغيير.