يعتقد البعض أنّ البحث في مسألة عودة النازحين السوريين الى بلادهم ليس في أوانه حالياً، كون لبنان يُعاني من أزمة إقتصادية ومالية خانقة وعليه القيام بالإصلاحات المطلوبة في أسرع وقت ممكن لكي يحصل على المساعدات والقروض الدولية، كما من انتشار وباء «كورونا» بشكل سريع خلال الشهر الجاري وعليه مواجهته أيضاً للحدّ من تفشّيه. غير أنّ مجلس الوزراء الذي أقرّ في 14 تمّوز الجاري الورقة السياسية لعودة النازحين السوريين الى بلادهم يرى خلاف ذلك، إذ يؤكّد مصدر وزاري مطّلع بأنّ معاناة لبنان من الوضع الإقتصادي الصعب جدّاً يعود بجزء منه، بسبب تحمّله عبء النزوح السوري خلال السنوات الماضية، والذي يستمرّ ويتفاقم يوماً بعد يوم وقد بلغت كلفته أكثر من 40 مليار دولار، مع تجاوز عدد النازحين المليون ونصف المليون ما يُشكّل ثلث الشعب اللبناني، ولهذا جرى إقرار خطّة العودة.

وقال المصدر، بأنّ تفاقم أزمة البطالة والفقر في صفوف اللبنانيين يعود للوضع الإقتصادي السيئ من جهة، وبسبب أزمة «كورونا» من جهة ثانية، فضلاً عن منافسة النازحين السوريين لهم على بعض فرص العمل.

ولهذا فإنّ التفكير الجدّي بإعادة النازحين الى بلادهم قد بدأ مع إقرار مجلس الوزراء الورقة السياسية المتعلّقة بهذه العودة التي كان قد وضعها الوزير السابق لشؤون النازحين السوريين صالح الغريب، وأدخل عليها وزير الشؤون الإجتماعية الحالي رمزي مشرفيّة بعض التعديلات. وكانت الحكومة السابقة قد أخفقت في إدراجها على جدول أعمالها، أمّا السبب الأساس بحسب المصدر الوزاري، فيعود الى الخلاف السياسي الذي كان قائماً بين مكوّناتها السياسية المختلفة حول مسألة التنسيق مع السلطات السورية لإعادة النازحين أم لا، أو الإكتفاء باللجوء الى الأمم المتحدة. علماً بأنّ هذه الأخيرة لا تزال تجد بأنّ «ظروف العودة غير متوافرة بعد» خلافاً للواقع على الأرض مع انتهاء المعارك في غالبية المحافظات وعودة الحياة الطبيعية اليها منذ نحو سنتين.

والورقة التي تتألّف من تسع صفحات تنطلق من مجموعة مبادىء أساسية، على ما أفادت المعلومات، لا بدّ من الإقرار بها والإجماع حولها للسير بها، أبرزها:

- التمسّك بحقّ النازح السوري بالعودة ورفض التوطين بأي شكل من أشكال الإدماج أو الإندماج في المجتمع اللبناني، وفق ما نصّ عليه الدستور اللبناني.

-عدم ربط عودة النازحين بالعملية السياسية في سوريا.

- الإنفتاح والتعاون والتنسيق مع جميع الأطراف المعنية بملف النزوح بهدف ضمان وتأمين عودة آمنة للنازحين الى سوريا.

كما تنصّ الخطّة فيما يتعلّق بتنظيم العودة، وبالإستناد الى التجارب الدولية السابقة، على أنّه على «الدولة اللبنانية كونها الدولة المضيفة التنسيق مع الدولة السورية بصفتها بلد الأصل ومع الأمم المتحدة ممثّلة بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، فضلاً عن «احترام حقوق الإنسان والإلتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية». وأكّدت الخطة أنّه في «البُعد اللبناني- السوري»، إنّ أحد أهمّ أركان نجاح الخطّة هو التعاون والتنسيق مع الدولة السورية، إذ الى جانب كونها بلد المصدر والمعنية الأولى بعودة النازحين، فهي الجهة الوحيدة القادرة على تأمين الضمانات اللازمة لتحقيق العودة الآمنة لهم.

وعمّا ذكرته الورقة عن أنّه سيتمّ تشكيل لجنة لبنانية- سورية مشتركة (على أن تُمثّل وزارة الشؤون الإجتماعية الجانب اللبناني منها) تُعنى بملف النزوح وينبثق عنها لجان فرعية أمنية إعلامية لوجيستية إلخ... تقوم بالتعاون والتنسيق فيما بينها، على مختلف الصعد، وعن دور وزارة الخارجية فيها، أوضح المصدر الوزاري نفسه أنّ ورقة العودة كانت من مسؤولية وزارة الدولة لشؤون النازحين نُقلت بعد ذلك الى وزارة الشؤون الإجتماعية كونها الأقرب وهي المعنية مباشرة.. ولكن اللجنة تضمّ الى جانب الشؤون الإجتماعية، الخارجية والداخلية. فالمسؤولية الكاملة انتقلت من شؤون النازحين للشؤون الإجتماعية لأنّ الشان الأساسي داخلي وليس خارجياً، ولكن الشقّ الدولي أي كلّ ما له علاقة بخارج لبنان، فتُعنى به وزارة الخارجية.

وكشف المصدر الوزاري، أنّ اللجنة الوزارية ستجتمع قريباً للبحث في المهام التي تناولتها الخطّة، لا سيما وضع خارطة طرق لعودة مُمرحلة للنازحين تِبعاً للمناطق الجاهزة لاستقبال العائدين، وتبادل المعلومات اللازمة والتنسيق من أجل تذليل العقبات القانونية الأمنية والإدارية والتي قد تُعيق عودة بعض النازحين، والتنسيق لتأمين انتقال النازحين من لبنان الى وُجهتهم النهائية في سوريا والتنسيق في هذا الإطار، ما بين الأمن العام اللبناني، مفوضية شؤون اللاجئين والجمعيات الإنسانية العاملة في البلدين.

وشدّد المصدر نفسه على أنّ التنسيق مع السلطات السورية بات مُلزماً من أجل التأكيد على الضمانات المطلوبة التي تدفع النازحين الى عدم الخشية من العودة، موضحاً أنّ اللجنة الوزارية المشتركة ستأخذ بالإعتبار حقائق عدّة وردت في الخطّة، منها: تحسّن الأوضاع الأمنيّة في سوريا حيث أصبحت معظم الأراضي السورية آمنة، فضلاً عن إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي أظهرت أنّ ما لا يقلّ عن 89% من النازحين يرغبون العودة الى بلادهم. وستعمل بالتالي على القيام بتأمين تسهيلات وإعفاءات لبنانية وسورية لتشجيع النازحين على العودة.. وهناك توجّه لبناني لتقيّد مؤسسات المجتمع الدولي العاملة في لبنان بمبدأ مساعدة العائلات العائدة من لبنان الى سوريا.

وفيما يتعلٌّق بالتعاون مع المجتمع الدولي فمن أبرز أهدافه العمل على إعادة توطين بعض النازحين في بلدان ثالثة، لا سيما أولئك الذين لا تسمح لهم ظروفهم الأمنية والإنسانية بالعودة الى الى سوريا، وذلك لعدم جواز التوطين في لبنان بموجب أحكام الدستور. ويتوقّع المصدر أن تعرض اللجنة الوزارية اقتراحاتها على مجلس الوزراء بعد أن تجتمع وتتفق على أبرز النقاط الواردة في الخطة.