على الرغم من عودة الإهتمام بأزمة وباء «كورونا»، وبما يُمكن إتخاذه من إجراءات لوقف تمدّد الوباء في لبنان، من المُقرّر أن يناقش مجلس الوزراء اليوم الثلاثاء، تقريرًا مُفصّلاً، عمّا أسفرت عنه المُفاوضات مع مؤسّسة «لازارد»، والتي كانت قد تكثّفت في الأيّام القليلة الماضية، لكن من دون أن تفضي إلى نتائج إيجابيّة بعد في ما خصّ توحيد أرقام الخسائر في القطاع المصرفي ككلّ.

وبحسب مصادر مصرفيّة مُطلعة، إنّ الأسبوع الحالي مُهمّ جدًا، للتوصّل إلى تفاهم بشأن أرقام الخسائر، وهو ما لا يُمكن تحقيقه من دون توحيد المُقاربات، لأنّ المُقاربات المُختلفة تؤدّي حُكمًا إلى أرقام خسائر مُختلفة، وبالتالي إلى إستمرار الخلاف وإلى المُراوحة والدوران في الحلقة المُفرغة نفسها! وإذ حذّرت من مخاطر عدم توحيد أرقام الخسائر قبل فوات الأوان، أشارت هذه المصادر إلى أنّ مؤسّسة «لازارد» مُتمسّكة بصيغة سبق وأن توصّلت إليها بالتنسيق مع المُفاوضين المُعيّنين من الحُكومة. وأوضحت أنّ هذه الصيغة تتضمّن إجراءات قاسية ستطال الودائع، بحجّة مُعالجة جزء كبير من الديون المُستحقّة دفعة واحدة، مع إستمرار الخلاف بشأن قيمة الشطب المُنتظر، وكذلك مع إستمرار التباين بالرأي بشأن فئة المُودعين التي سيطالها ال «هيركات».

وتابعت المصادر المصرفيّة أنّه في المُقابل، يقترح مُمثّلو المصارف مُعالجة تدريجيّة وبطيئة للخسائر، من دون الحاجة إلى اللجوء إلى أيّ عمليّات شطب من ودائع المُودعين. كما يُطالب هؤلاء بأن تتحمّل الحُكومة جزءًا مُهمًّا في تعويض الخسائر الحاصلة، وأن يُساهم مصرف لبنان بدوره بجزء من الحلّ، بمُجرّد بدء الحُكومة بتسديد الدُيون لصالحه بواسطة الأموال التي يُفترض تأمينها من الخارج، ليتمكّن من تسديد ديونه لصالح المصارف. 

إشارة إلى أنّه من المُفترض أن تتواصل المُفاوضات مع صُندوق النقد الدَولي لفترة زمنيّة غير قصيرة، لأنّه وبعكس ما يظنّ الكثيرون، إنّ عقد عشرات الجلسات مع صندوق النقد من دون التوصّل إلى نتائج ليس غريبًا، بحسب أمثلة عدّة من مُفاوضات سابقة مع دول مُتعثّرة، حيث إستغرقت هذه المفاوضات أشهرًا طويلة قبل الإعلان عن النتائج النهائيّة. وليس بسرّ أنّ كلّ الإتصالات التي يُجريها المسؤولون في لبنان مع المبعوثين الخارجيّين ومع القطاع الدبلوماسي العامل في لبنان، تنتهي بإحالة ملفّ التعثّر المالي اللبناني إلى المُفاوضات مع صُندوق النقد، بالتزامن مع المُطالبة بالإصلاحات.

في غُضون ذلك، برزت مُواجهة جديدة على مُستوى الأزمة الماليّة، تمثّلت في مُواصة إستكمال الإستعدادات لإنطلاق أعمال التدقيق المالي في حسابات مصرف لبنان، بالتزامن مع صُدور قرار قضائي قضى بالحجز الإحتياطي على أسهم عائدة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وفي حين إعتبرت أوساط سياسيّة مُقرّبة من الحكومة أنّ هذه الإجراءات قانونيّة وتهدف إلى وضع قطار مُكافحة الفساد على السكة، رأت أوساط سياسيّة مُعارضة أنّ ما يحصل يندرج في إطار الضُغوط المُتصاعدة على الحاكم، لحمله على الإستقالة طوعًا، أو على الأقلّ لتليين موقفه، وبالتالي لدفعه إلى المُوافقة على الخطّة الحكوميّة.

مصدر قانوني بارز قال إنّ التحقيق الجنائي الذي سيطال حسابات مصرف لبنان لن تكون نُزهة، لأنّ إشكالات وعقبات قانونيّة عدّة ستعترضه، لها علاقة بقانون السريّة المصرفيّة المُطبّق في لبنان، وكذلك بقوانين النقد والتسليف السارية المفعول، وأيضًا بقوانين تُحدّد سلطات حاكم المصرف. وتوقّع المصدر أن يدخل العامل السياسي بقوّة في هذا الملف، حيث أنّ جهات سياسيّة بارزة، تستعدّ لحماية الحاكم بغطاء قانوني، وذلك عن طريق رفع الصوت إعتراضًا من داخل مجلس النواب على أيّ خرق للقوانين، وعلى أيّ كيديّة سياسيّة في مُعالجة ملفّات الفساد وهدر المال العام. وأضاف المصدر القانوني أنّ الحاكم سلامة، وعلى الرغم من الأهميّة الكبرى لموقعه، يبقى في نهاية المطاف مُوظّفًا يُنفّذ طلبات السُلطات التنفيذيّة المُتعاقبة، ولا يُمكن إدانته لأنّه هدر أموالاً لتثبيت قيمة الليرة بطلب من الحكومات السابقة، ولا إدانته بتسليف الدولة لتمكينها من دفع رواتب موظّفيها وتسيير شؤونها وشؤون المواطنين، لأنّ هذه الإجراءات لا تزال قائمة حتى اليوم، الأمر الذي يجعله في موقع مريح قضائيًا إزاء أيّ تحقيقات يُمكن أن تطاله، لكنّه لن يكون قادرًا بسُهولة على تجاوز الأذى المَعنوي الذي سيطاله، لا سيّما وأنّ المودعين الخائفين على أموالهم وعلى جنى عُمرهم يتأثّرون حاليًا بسرعة، بأيّ تهمة فساد أو سرقة أو هدر مال عام تطال أيّ مسؤول رسمي!