لا يبدو في الافق ان حلاً قريباً للازمة المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية في لبنان الذي سبق وكتبنا في الاسبوع الاول من تشرين الثاني من العام الماضي، بانه سيتحول من النموذج اليوناني الى الفنزويلي، ليبدأ بعد اشهر، عدد من الخبراء الاقتصاديين والماليين، وكذلك اعلاميين وسياسيين آخرهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على توصيف لبنان بما هي عليه فنزويلا من ازمة تشبهه وقعت فيها منذ سنوات.

فالازمة التي وقع فيها لبنان، ليست «بنت ساعتها»، كما يقول المثل الشعبي، فهي لها امتدادات تعود لنحو ثلاثة عقود، منذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف بسبب السياسة المالية التي اعتمدت على الاستدانة بفوائد عالية، استفاد منها اصحاب مصارف ورجال مال واعمال لبنانيين وعرب واجانب، وفق ما يؤكد خبير مالي، الذي يرى بانه من الصعب ان تقدم مساعدات او قروض للبنان دون شروط، وهي معنية بالاصلاحات، لكنها تخفي اخرى سياسية، تتعلق بسلاح المقاومة، وهذا ما يعلن عنه المسؤولون الاميركيون، الذين يضغطون على حلفاء لهم، لعدم انقاذ لبنان، الا تلبية للشروط السياسية المغلفة باصلاحات.

فالمساعدات والقروض والهبات، لن يحصل عليها لبنان في فترة زمنية قريبة، وان العالم مشغول عنه، بقضايا تهم الدول التي ترزح ايضاً بازمات مالية واقتصادية، تسبب بها وباء «كورونا»، لكن كانت الازمة المالية العالمية، قد اطلت برؤوسها منذ سنوات، يقول الخبير، الذي يتوافق مع ما قاله وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، اذا لم يساعد اللبنانيون انفسهم لن يساعدهم الآخرون، اي ان يبدأوا باصلاحات تبدأ بوقف الهدر الذي ما زال قائما في مؤسسات الدولة، لجهة الانفاق غير المجدي، وان كانت الحكومة لجأت الى التقشف، لأن خزينة الدولة باتت فارغة، مع شح الواردات وانكفاء الاستثمارات، وعدم الثقة بالنظام المصرفي اللبناني، والذي سينعكس على تحويلات المغتربين، وايداع اموالهم في المصارف التي حجبت عنهم اموالهم عندما ارادوا استعادتها، وطبقت عليهم «الكابيتال كونترول»، وتمارس بشراكة مع الحكومة «الهيركات» المقنع على المودعين.

فالدولة العربية منكفئة عن لبنان، لاسيما الخليجية منها، لاسباب تتعلق بها، لجهة تراجع الايرادات النفطية، والاموال التي صُرفت على حروب في عدد من الدول، مما اقفل امام لبنان امكانية طلب مساعدات عربية، من الدول التي فتحت ابوابها امام الحكومة، اذ لم تأتِ الاجوبة مطمئنة من الكويت وقطر، لان كل منهما لديه ايضاً ظروفه المالية، التي اذا ما تحسنت لن يبخلوا بالمساعدة، على ان يقوم المسؤولون في لبنان بعمل اصلاحي جدي، يخفف من الاعباء على الموازنة، عبر ترشيق الانفاق، يقول الخبير الذي اطلع على معلومات تشير الى ان الودائع المالية التي كانت توضع في مصرف لبنان، لتعزيز سعر صرف الليرة اللبنانية، لن تتكرر، وسبق لامير قطر ان وعد اثناء حضوره القمة الاقتصادية التي عقدت في بيروت مطلع 2019، بوديعة بقيمة 500 مليون دولار في مصرف لبنان، لكنه لم يف بوعده، ومثله صرح وزير المالية السعودي، بعد الاعلان القطري، لكنه لم ينفذ وعده.

ووحدها فرنسا تحركت باتجاه لبنان، لانها تعتبره دولة فرنكفونية، ولها ارث ثقافي فيه، فجاء وزير خارجيتها لودريان، ليعزز المدارس الكاثوليكية واخرى الفرنكفونية، وابلغ المسؤولين اللبنانيين، بان بلاده رعت قبل اكثر من عامين مؤتمر «سيدر»، ووعدت باصلاحات من الحكومة، لتنفيذ ما تم رصده حتى مساعدات وقروض بشأن مشاريع في لبنان، الذي لم يطبق ما تعهد به، وعندما يبدأ بالاصلاحات تتقدم فرنسا مجدداً نحو لبنان، الذي كلف الرئيس مانويل ماكرون موفداً شخصياً له، بيار دوكان، ليتابع مع الحكومة تنفيذ مقررات وتوصيات «سيدر»، لكن لم يحصل شيئاً.

وسينتظر لبنان كثيراً، للحصول على مساعدات وقروض، وجذب استثمارات اليه، لانه هو امام امتحان اعادة الثقة به، كدولة تعيد بناء هيكلها دون فساد ومحسوبيات، وتعزيز القضاء الذي عليه يتوقف محاسبة الفاسدين.