تهيئة الظروف لعودة الحريري تحت «جناح» قرار المحكمة الدولية؟

بعبدا «مستاءة» من رئـيـس الحكومة «وتـرمم» موقـف لـبـنـان من فرنسا

 


الازمات لن تنتهي قريبا، لبنان الذي يواجه عاصفة «كورونية» عاتية، يبدو انه مقبل ايضا على «موجة» سياسية «عارمة» عنوانها العودة الى محاولة اسقاط الحكومة بعد ان اصبحت كافة الظروف مهيئة للانقضاض عليها، بعد محاصرتها من «الداخل» «والخارج»... وبانتظار دخول قرارات المحكمة الدولية حيذ التنفيذ في السابع من آب، اطلق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط اشارة الانطلاق لهذه الحملة بدعوته لاقالة رئيس حكومة «الذئب»، فيما يجد الرئيس حسان دياب نفسه محاصرا بسلسلة من الازمات الخانقة التي اخرجته عن «طوره»، وكلامه بالامس لم يكن «فشة خلق»، وانما تعبير عن واقع ملموس، بعدما بدأ يشعر انه «يقاتل» دون «انياب» في غياب مواكبة بعض قادة الاجهزة الامنية، والقضائية، لقرارات الحكومة «المتخبطة» بفعل ضعف غالبية وزرائها، وغياب القدرة على الحسم في الكثير من الملفات الحيوية في البلاد الغارقة «بالعتمة» وفقدان المازوت والبنزين قبل الدخول مجددا بالاقفال الذي يجري تعديل شروطه، ساعة بساعة، ما يضعف ثقة المواطنين بهذه الاجراءات التي يشك كثيرون انها ستؤدي الى وقف تفشي «الوباء» خصوصا ان خطة 5-2-  5 لا تمت الى القواعد العلمية بصلة، وربما تصلح في الملاعب الرياضية..  

وبعيدا عن «ضعف» الاداء الحكومي، لا يؤمن رئيسها بعلم «المصادفات»، وبحسب اوساط مقربة من «السراي»، فان حجم «الكوارث» المتلاحقة، منذ دخوله السراي الحكومي تجاوز الحد المعقول، وهو يثير «الريبة»، فادارة أزمة الفيول سياسيا، وقضائيا، من قبل جهة وازنة في الحكومة، ادت الى انهيار ما تبقى من التغذية الكهربائية، وغرقت البلاد في عتمة غير مسبوقة، وجاء الانقطاع التام للتيار الكهربائي قبل ساعات في كل المناطق، بسبب حريق في محوّل معمل الجية، ليزيد من علامات الاستفهام؟ وكذلك ثمة ارتياب كبير من «تبخر» الفيول وبيع معظمه الى «السوق السوداء» بتغطية حزبية من قبل فريق وازن في الحكومة ايضا، فيما الاجهزة الامنية تتفرج ولا تفعل شيئا لمنع هذا «الفجور» الذي ادى الى توقف مولدات الكهرباء في غالبية المناطق، وكذلك سنترالات الهاتف، والكثير من المعامل، فيما السرقة من التجار على «عينك ياتاجر» في عملية احتكار وصلت الى «سلة الغذاء» المدعومة من قبل الدولة، اما انقطاع البنزين، فلم يحصل رئيس الحكومة على اي اجابة مقنعة حول اسباب الازمة التي قد يضاف اليها قريبا أزمة نفايات... 

طبعا، كل هذه التراكمات كانت السبب في توجيه دياب سهام انتقاداته الى الاجهزة الامنية التي لا «يمون» عليها، لكن ثمة مؤشرات سياسية مقلقة تمثلت في الانشقاقات داخل الفريق الواحد، وكان لافتا انه بعدما محا دياب التغريدة التي «طالب» فيها القوى الامنية بـ«التعامل بحزم» مع المافيات، أتى الرد، عليه في مجلس الوزراء على لسان نائبته وزيرة الدفاع زينة عكر التي سألت: «لمن نشكو؟ نحن الحكومة والقرار عندنا والمسؤولية علينا»... وهي بذلك انتقدت دياب لكنها «فسرت الماء بعد جهد بالماء»؟ 

اما المفارقة الثانية فكانت التناقض الواضح بين تقييم رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة لزيارة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، فبينما تحدث الرئيس بايجابية عنها مشيدا بالدور الفرنسي الايجابي حيال لبنان، خرج رئيس الحكومة عن «الكياسة» الدبلوماسية ورد على محاضرات لودريان التأنيبية، فأشار إلى أن الأخير «لم يحمِل معه أي جديد، وأن لديه نقصاً في المعلومات لناحية مسيرة الإصلاحات الحكومية، وربطه أي مساعدة للبنان بتحقيق إصلاحات وضرورة المرور عبر صندوق النقد الدولي،  يؤكد أن القرار هو عدم مساعدة لبنان حتى الآن». ووفقا للمعلومات، لم يكن «صدى» كلام دياب ايجابيا في القصر الجمهوري، وكان مفاجئا للرئيس عون، وكما حصل سابقا ابان الازمة القضائية مع السفيرة الاميركية دوروثي شيا، تولى مستشار الرئيس الوزير السابق سليم جريصاتي التواصل مع السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشي، وابلغه ان كلام رئيس الحكومة لا يمثل الموقف الرسمي اللبناني الذي يكن مشاعر التقدير والاحترام لفرنسا وعلاقتها التاريخية مع لبنان..؟ 

وعلى الرغم من الاستياء المرتقب في السراي من الموقف الرئاسي، فان ذلك لن يغير من انطباعات دياب ازاء اسباب زيارة لودريان الى بيروت، ووفقا لاوساط مطلعة على موقفه، لم يضف وزير الخارجية الفرنسية جديدا عما قاله في مجلس الشيوخ الفرنسي، وكان باستطاعته عدم تكبد عناء السفر، في «زمن الكورونا» واجراء مكالمات هاتفية مع المسؤولين اللبنانيين، «فتنظيراته» في هذه الظروف لم تكن في مكانها، وباريس غير القادرة على تجاوز «القضاء والقدر» الاميركيين، بسبب ضعفها البنيوي في السياسة الخارجية، وعدم قدرتها على المبادرة، تعرف جيدا ان الحكومة الحالية غير مسؤولة عن الفساد المستشري في البلاد، ولو ان فرنسا تملك «الضوء الاخضر» لتقديم المساعدة، لما سمع احد كلمة واحدة عن الاصلاحات التي ظلت غائبة خلال السنوات الماضية بتغطية اميركية- فرنسية، وكانت الاموال تهدر على مرأى منهما، ولذلك لا يمكن الحديث اليوم عن «صحوة ضمير» وانما عن تغيير واضح في الاستراتيجية الاميركية التي تستخدم سياسية التجويع لتحقيق مآرب سياسية، وكل كلام آخر «نفاق» لم يستطع رئيس الحكومة «هضمه».. 

وفي هذا السياق، تشير اوساط سياسية مطلعة الى ان ما يحصل مجرد «بروفة» عما ينتظر الحكومة من ضغوط في شهر آب، وهو امر يدعو الى القلق الجدي، فاضافة الى المحاولات الاميركية - الاسرائيلية لتعديل مهمة قوات اليونيفيل، والتصعيد على الحدود الجنوبية، ثمة من بدأ يسوق داخليا لنظرية الامتصاص السياسي لقرارات المحكمة الدولية من خلال «التضحية» بالحكومة الحالية، وتحويلها الى «كبش فداء»، تحت عنوان «حماية السلم الاهلي»، وذلك من خلال تسويق عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الى «السراي الحكومي»، او من يسميه، وتشكيل حكومة جديدة بتوازنات مغايرة ترضي الخارج ايضا، وهذه النظرية «تدغدغ» فريق وازن داخل الحكومة وخارجها، وبعضهم يراهن على ارتفاع منسوب «الضغط» على حزب الله بعد صدور قرار المحكمة، لتليين موقفه حكوميا، لكن مصادر مقربة من الحزب تدعو الى عدم الرهان على «حشره»، لان بقاء هذه الحكومة في الوقت الراهن لا تزال اولوية لديه، ولن ينجح احد في «لي ذراعه»، ودياب يعرف جيدا ما «يحاك»، ويدرك ان المتواطئين كثر من داخل الحكومة وخارجها، وهو اختار «الهجوم» كافضل وسيلة «للدفاع»، مدركا ان «صمام»  الامان يبقى في «حارة حريك» التي ترفض حتى الان اي تلاعب بمصير حكومته..