ليس عابرا ما أعلنه رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل خلال اطلالته التلفزيونية الاخيرة لجهة العلاقة والخلافات مع حزب الله. اذ أن من يقرأ بين السطور ومن يحاول تجميع الافكار والشيفرات، يكتشف ان باسيل قرر سلوك منحى جديداً في العلاقة مع حارة حريك وذلك بعد انتقادات كثيرة كان قياديون عونيون وجهوها للحزب لجهة عدم تعاونه معهم بملف مكافحة الفساد وتبديته لمصالح طائفية على مصلحة يتعاطى معها التيار كمصلحة وطنية عليا.

بالأمس تحدث باسيل صراحة ومن دون مواربة عن تحفظه على دور حزب الله في اليمن، ملمحاً بذلك الى تحفظه على كل المهمات العسكرية التي ينفذها الحزب خارج الاراضي اللبنانية، مشيراً الى ان التفاهم بين التيار والحزب هو حول الامور المتعلقة بلبنان وليس الشؤون الاقليمية. ليضيف بعدها رداً على سؤال آخر ان «هناك اختلافات كثيرة بيننا وبين حزب الله حول مواضيع داخلية»، ما يدفع القارىء بين السطور للاستنتاج ان مساحة التلاقي بين الحليفين انحسرت الى حدودها الدنيا، فاذا لم يكن هناك تفاهم حول الامور الاقليمية واختلافات كثيرة حول المواضيع الداخلية... فعلى ماذا يتفق الطرفان؟

وتكشف مصادر ناشطة على خط حارة حريك ـ ميرنا الشالوحي ان تراكمات كثيرة اوصلت الامور الى ما وصلت اليه، فللتيار وقيادته اولوياتهما في هذه المرحلة الدقيقة، تماما كما لحزب الله حساباته التي تتخطى لا شك الساحة المحلية بعدما بات لاعباً اقليمياً ودولياً. وتشير المصادر ان التيار الذي يجد نفسه اليوم محاصرا من جميع الاتجاهات ويتعرض لاطلاق نار مكثف من الخصوم، كان يتوقع من الحزب مساندته في ما هو فيه ليجده منهمكاً بملفات ابعد من لبنان وتعني محوراً طويلاً عريضاً.

لا بل أبعد من ذلك، فان قيادة التيار، وبحسب المصادر، باتت تجد صعوبة ببث الأمل في النفوس في ظل الاوضاع التي تتدهور سريعاً من دون القدرة على لجمها، وفي ظل تعاظم حالة الاحباط بين العونيين الذين كانوا يبنون آمالاً كبيرة على وصول العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة لينهض بالبلد، فاذا به يعود عشرات السنوات الى الخلف، باعتبار ان ما نشهده حالياً من انهيار لم نعرفه مطلقاً حتى خلال سنوات الحرب الأهلية. وتضيف المصادر: «كيف تفسر القيادة العونية لجمهورها الذي كان يتوق لتحقيق شعار كهرباء 24 على 24 في عهد الرئيس عون ان الكهرباء لم تعد مؤمنة حتى لساعة او ساعتين في اليوم وان اصحاب المولدات لم يعودوا قادرين على تأمين حاجتهم من المازوت؟».

وبات الجمهور العوني على وسائل التواصل الاجتماعي يصوب مباشرة باتجاه حزب الله بموضوع عدم التعاون بمكافحة الفساد، وما عزز شكوكه في هذا الموضوع تصويت وزراء «الثنائي الشيعي» بورقة بيضاء على طرح التدقيق المالي. وقد اندلعت مؤخرا أكثر من مواجهة الكترونية بين الناشطين العونيين والناشطين المؤيدين لحزب الله. فمن جهته، بات حتى جمهور «المقاومة» مقتنعاً بأن وزراء «التيار» الذين تعاقبوا لسنوات على وزارة الطاقة مسؤولون عن الحالة التي يرزح تحتها القطاع. وباتت شخصيات قريبة من الحزب تسأل: «طالما كان هناك محاولة لاحباط خططهم وجهودهم... لماذا أصروا على البقاء في الوزراة؟ لماذا لم يسموا الامور بأسمائها ويخرجوا؟»

اذا هو منعطف خطير تسلكه علاقة حزب الله ـ التيار التي نجحت بتخطي الكثير من العقبات والمطبات منذ العام 2006 حتى اليوم. لكن حين تصبح لقمة العيش على المحك، ويضيع جنى العمر المودع في المصارف وتصبح ساعة من التغذية الكهربائية طموح مواطن تجرأ على ان يحلم بكهرباء 24 على 24، عندها يصبح تحالف مار مخايل وكل التحالفات السياسية الاخرى على المحك!