لم يخرج الدخان الابيض من الاجتماع المالي الذي ترأسه رئيس الحكومة حسان دياب مساء الخميس الماضي وحضره بعض الوزراء المعنيين وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولجنة الرقابة على المصارف ووفد من جمعية المصارف وممثلين عن شركة «لازارد» المعنية بخطة التعافي المالي، لكن يمكن ان يعوّل على ما تم الاتفاق عليه خلال هذا الاجتماع من حيث موضوع الصندوق السيادي لاصول الدولة وتوزيع الخسائر بعد ان كانت محصورة، بالبنك المركزي والمصارف وكبار المودعين.

مصادر مالية مطلعة ذكرت لـ«الديار» ان اتفاقاً تم على انشاء الصندوق السيادي وهو عامل مساعد جداً لتخفيض الخسائر حيث كان هذا البند موضع نزاع بين وزارة المالية وجمعية المصارف والبنك المركزي وكان موضع تباعد في وجهات النظر بين الحكومة والبنك المركزي وجمعية المصارف.

وتضيف هذه المصادر: ان توزيع الخسائر كان موجوداً في خطة التعافي المالي محملة الخطة المصارف وكبار المودعين ومصرف لبنان هذه الخسائر، ولكن بعد الاجتماعات التي تمت بين الحكومة والمصارف والبنك المركزي، وهذه كانت فكرة وزير المالية غازي وزني منذ البدء، وبالتالي فان وجود «لازارد» في لبنان هو من اجل مقاربة جديدة في الخطة تأخذ بعين الاعتبار توزيع الخسائر وانشاء الصندوق السيادي لاصول الدولة.

واكدت هذه المصادر المالية ان المحادثات مع صندوق النقد الدولي لم تنقطع، بدليل ان اجتماعاً سيعقد خلال اليومين المقبلين قد يكون الخميس المقبل، لمتابعة البحث في جملة من الامور التي ما تزال عالقة وخصوصاً بالنسبة لتحديد الخسائر خلال السنوات الماضية...وان وزارة المالية تستعد لادخال مسؤول مالي جديد بدل المدير العام المالية السابق الان بيفاني.

ويبدو ان جمعية المصارف ما تزال متسحلة بما اوردته لجنة تقصي الحقائق النيابية التي الفتها لجنة المال النيابية حول الارقام غير المتطابقة مع ارقام خطة التعافي، اضافة الى عدم موافقة الجمعية على اقتطاع اي مبلغ في الودائع (هيركات) او تحويل جزء من الودائع الى اسهم او اقتطاع قسم من رأسمال المصارف. لكنها مؤيدة لانشاء الصندوق السيادي الذي اقترحته لانه لا يهدف حسب قول رئيس الجمعية سليم صفير الى الاستحواذ على اصول الدولة بل لاعادة التوازن والثقة للمستثمرين بان اموالهم موجودة مستبعداً اشراك المصارف والاحزاب والسياسيين في ادارة الصندوق وهو يطالب بادارة اجنبية له او بادارة اشخاص لا غبار عليهم ونجحوا في حياتهم المهنية ويتحملون المسؤولية وغير خاضعين لاحزاب او سياسيين.

الجدير ذكره ان موضوع الصندوق السيادي ومن يريده ما زال موضع تجاذب بين الحكومة التي تصر على ادارته او تعيين مجلس ادارة له، وبين المصارف التي ترفض ذلك بحجة ان الحكومة لا تعرف ادارة اصولها بل عرضت البلد الى حالة الافلاس بسبب القرارات الخاطئة التي اتخذتها.

واذا كان موضوع ادارة الصندوق السيادي ما زال موضع خلاف، فان تحديد الخسائر ما يزال موضع خلاف ايضاً بين الحكومة وبين المصارف المدعومة من مصرف لبنان والمجلس النيابي الذي لن يمرر اي مشروع قانون للخطة طالما ان ارقام الخسائر غير متفق عليها، وبالتالي فان تحديد هذه الخسائر بحاجة الى مقاربة جديدة في الخطة وان كان وزير المالية غازي وزني يعتبر ان هذه الارقام صحيحة لكن لا شيء منزلاً في هذه الخطة ويمكن وضع بعض الرتوش عليها.

وعلى ضوء ذلك، فان رئيس الحكومة حسان دياب يبدو الاكثر استعجالاً للبدء بتطبيق هذه الخطة، والمباشرة بالمفاوضات الجدية مع صندوق النقد الدولي الذي ما زال ينتظر هذا الاتفاق وان كان يقطع الوقت ببعض المحادثات التي لن تؤدي الى نتيجة ايجابية في ظل استمرار الخلافات على تحديد ارقام الخسائر ومن يدير اصول الصندوق المقدر قيمته حسب جمعية المصارف بـ40 مليار دولار..

وتتشدد جمعية المصارف في مقاربتها للخطة المالية والنقدية لان ما خسرته لا يعوض وما تعرضت له لا يوصف، خصوصاً في ما يحكى في خطة الحكومة عن تقليص عدد المصارف العاملة وانشاء مصرفين جديدين وذلك لاعادة الثقة الى هذا القطاع الذي كان حتى الامس القريب من اهم مقومات الاقتصاد الوطني، وقد تعرض هذا القطاع للخسائر ليس بسبب سياسته التي كان متبعها، بل بسبب سياسة هذه الحكومة التي رفضت الايفاء بالتزاماتها المالية (اليوروبوندز) وادت الى ما ادت اليه من تخبط في هذا القطاع.

وتقول مصادر مصرفية مطلعة ان ليس بولاية سليم صفير يمكن بشطحة قلم ازالة عدد كبير من المصارف، وليس بولاية سليم صفير يتبهدل القطاع،  بل ان رئيس الجمعية وان كان في بعض الاحيان يهادن ويتحاور لكنه لن يتنازل عن حقوق القطاع واعادة الثقة اليه، خصوصاً ان الخطة التي وضعتها الجمعية هي الخطة التي يمكن الوصول الى نتائج ايجابية وتعيد الثقة الى هذا القطاع.

ربما في هذا الوقت الضائع من اقفال البلد، قد يعمد رئيس الحكومة الى تكثيف الاجتماعات المالية التي تبقى خارطة طريق للوصول الى مفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي والى اعادة الثقة الى القطاع المصرفي الذي سيبقى الممول الرئيسي للخطة الحكومية والتي تعفيه من اي دور بل تعمد الى طريقة لافلاسه، ويبدو ان الرئيس دياب قد بدأ يستشعر الخطورة في المراوحة في المكان دون اية نتائج لان الناس بدأت تعتقد ان هذه الحكومة غير قادرة على الانتاج واعادة الثقة الى البلد، وانه من الضروري اعادة التفكير في نمط جديد ومقاربة جديدة وحكومة جديدة تأخذ القرارات بجدية لا ان تستمر في المماطلة وعدم اقرار الاصلاحات خصوصاً على صعيد اصلاح الكهرباء الذي لا يحتاج سوى الى تعديل في التعرفة الكهربائية وزيادة الانتاج.

فهل نحن قادمون على تغيير ونمط جديد في حق التعامل مع الواقع، ام سنبقى مستمرون في الاتجاه نحو الهاوية.