خلال لقاء الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالمسؤولين السياسييّن ورؤساء الكتل النيابية، كان التجاوب واضحاً في ما يخص التشكيلة الحكومية، فالكل نادى بحكومة من الاختصاصيّين مهمتها نهضة البلد من الانهيار، عبر وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولاقي هذا الطرح تأييداً من الخبراء الاقتصاديّين، ومن الأوساط الشعبية التوّاقة الى الانفراج في ظل الازمات المتراكمة من دون أي حل، لكن لا يزال الشك سائداً في إمكانية تحقيق هذا النوع من الحكومات على ارض الواقع، لان الكلام السياسي الايجابي يُمحى دائماً في لبنان، فلا يتحقق اي وعد، وتاريخ السياسيين شاهد على ذلك. وهذه المرّة كان هنالك ضيف غربي اطلق العنان لتهديداته، وكلامه القاسي في وجه المسؤولين، علّهم يقومون بواجباتهم قبل إطلاق رصاصة الرحمة على لبنان، الذي ينازع بفضل اخطائهم و«تخبيصاتهم» على مدى عقود.

فالرعاية الفرنسية التي حلّت على لبنان بعد ايام قليلة من كارثة مرفأ بيروت، ُترجمت في الزيارتين اللتين قام بهما الرئيس الفرنسي لبيروت خلال اقل من شهر، على ان يعود في زيارة ثالثة في كانون الاول المقبل، كي يشهد الاصلاح الذي طالب به مقابل إعطاء المساعدات المالية، فهل ستطبّق مطالب ماكرون بتشكيل حكومة اختصاصييّن من دون اقنعة حزبية؟، وهل ستتحقق الاصلاحات على الرغم من الاقاويل المنتشرة على الساحة السياسية، بأن حكومة الرئيس المكلف مصطفى اديب لن تكون مغايرة عن سابقتها حكومة حسان دياب؟، اي انّ لا تغييّر كما ترى الاكثرية فلا تستبشر خيراً ،طالما انّ المنظومة الحاكمة هي نفسها ما زالت قابضة على لبنان.

وفي هذا الاطار، تشير مصادر سياسية مطلعة على الملف الحكومي، الى انّ التحدّيات التي تواجه الرئيس المكلف ليست سهلة ابداً، وهو غير معتاد على الحرتقات التي يفبركها السياسيون في لبنان، فجميعهم اكدوا  له خلال الاستشارات في عين التينة بأنهم غير طامحين لأي وزارة ، وبأنهم سيسهّلون مهمته في التشكيلة ولن تكون هنالك اي عقبات، معتبرة  بأنّ كلامهم لا يحوي المصداقية من كل جوانبها، لانّ تجربة تأليف حكومة اختصاصيين لا تضم حزبييّن  في لبنان صعبة التحقيق، فعلى الاقل سيختارون الاسماء المقرّبة منهم وإن كانت غير حزبية فعلياً، فحكومة حسان دياب التي وُصفت بحكومة محايدة حوت اختصاصيين فقط، لم تكن كذلك لان كل إسم فيها كان محسوباً على طرف، والامر عينه سيحصل خلال تشكيل  الحكومة المرتقبة، لان كل حزب وبحسب طائفته سيختار إسم الوزير المحسوب عليه سياسياً وطائفياً، فالثنائي الشيعي سيختار الوزراء الشيعة، والرئيس سعد الحريري سيختار الوزراء السنّة، والتيار الوطني الحر والمردة والطاشناق سيختارون الوزراء المسيحييّن، من دون القوات اللبنانية التي اعلنت رفضها المشاركة في الحكومة، كذلك الامر بالنسبة للوزراء الدروز الذين سيختارهم طلال ارسلان ووليد جنبلاط، وإن اعلن الاخير عدم مشاركته في الحكومة، اي انّ شياطين التفاصيل والمحاصصة المخفية ستكون كلها حاضرة، كما انّ الخلاف على الحقائب الدسمة سيعود لكن من تحت الطاولة، وسوف تشهد حقائب الخارجية والمالية والطاقة المعارك كالعادة، لان المختصين فيها سيعاودون المطالية بها وكأنها مكتوبة رسمياً بإسمهم، لانّ من ستولاها سيكون تابعاً بالخفاء لهم.

ولفتت المصادر المذكورة الى انّ الايام المقبلة ستبرهن صحة ما نقوله، اي اختبار الاطراف الحزبية مدى تنازلها عن تلك الحقائب، آملة عدم العودة الى الوراء كما كان يحصل سابقاً ،اي تقاسم قالب الجبنة بطريقة بعيدة عن الاعلام، وعدم التذاكي على الرئيس الفرنسي، الذي ترك وراءه جيشاً من المخبرين الفرنسيين عن كل شاردة وواردة يقوم بها سياسيو لبنان، او خصوصاً السفيرين الفرنسيين السابقين في لبنان برنار ايميه وايمانويل بون اللذين يتوليان متابعة المبادرة الفرنسية مع الافرقاء اللبنانيين.

واشارت الى انهم بدأوا بـ «النق» والقول بأن الاصلاحات تحتاج الى المال، وماكرون وضع شروطاً عليهم بأن لا مساعدات قبل تطبيق الاصلاح، ناقلة بأنّ اسئلة عديدة طُرحت من بعض رؤساء الكتل النيابية على الرئيس المكلف خلال الاستشارات في عين التينة، وهذه الاسئلة افهمته بأنّ مهمته ستكون صعبة مع هؤلاء، لانّ ما قيل في الداخل بعيد كلياً عما قيل في الخارج من قبلهم.