أميركا تجد أنّ الفرصة غير سانحة اليوم لإعادة تحريك ملف ترسيم الحدود البحرية والبريّة

 


كان يُنتظر أن يعود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر الى لبنان لإعادة تحريك ملف المفاوضات الذي كان في عهدة سلفه السفير ديفيد ساترفيلد عن ترسيم وتثبيت الحدود البحرية والبريّة بين لبنان والجانب الإسرائيلي، واُسند إليه بعد تولّيه منصبه الجديد. غير أنّ الإدارة الأميركية شاءت أن تأخذ زيارة شينكر منحى آخر، فأتى هذا الأخير الى لبنان للترويج لتطبيع بعض الدول العربية العلاقات مع «إسرائيل» قبل الإنتخابات الرئاسية الاميركية في تشرين الثاني المقبل، وللتأكيد على تبنّي إدارته الورقة الفرنسية التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الثانية الى لبنان.

وتقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة أنّ استثناء شينكر المسؤولين اللبنانيين من لقاءاته، واقتصارها على ممثلي المجتمع الدولي والنوّاب االمستقيلين، وإن شكّل سابقة من نوعها، إنّما يدلّ على التوافق الأميركي- الفرنسي على ضرورة إعطاء الأولوية في المرحلة الراهنة والمقبلة للمنظمات الدولية وغير الحكومية وليس للقادة اللبنانيين. فالفساد يأتي من الطبقة الحاكمة، من وجهة النظر الأميركية، وينعكس سلباً على الوضع الإقتصادي والمالي والإجتماعي والمعيشي، ولهذا لا بدّ من تلقين هذا الدرس للمسؤولين السياسيين الذين يُواصلون تقاسم الحصص في الوقت الذي يزداد فيه الشعب اللبناني الذي تمّ نهب أمواله من قبل المصارف، فقراً وجوعاً وبطالة.

كذلك لا تجد الولايات المتحدة الأميركية، تضيف الاوساط، أنّ الفرصة سانحة حالياً لإعادة وضع مفاوضات الترسيم على السكّة وخصوصاً أنّ للبنان وللعدو الاسرائيلي مطالبه التي يصرّ عليها، وهي بالطبع متناقضة. وبطبيعة الحال، فإنّ شينكر لن يكون الوسيط المحايد، بل المنحاز الى «الإسرائيلي»، فيما أعلن لبنان الرسمي أنّه لن يتخلّى عن أي شبر من أرضه، ولا أي من نقطة من بحره ومن ثروته النفطية للأطماع الإسرائيلية.

ولهذا،  فإنّ زيارة شينكر تأتي لدعم المبادرة الفرنسية، على ما أوضحت الأوساط نفسها، ولما قام به الرئيس ماكرون خلال زيارتيه الأخيرتين الى لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الفائت، سيما أنّ الأمور باتت واضحة فيما يتعلّق بالغطاء الأميركي لهذه المبادرة. ولفتت الى أنّ شينكر شدّد في كلامه أمام الذين التقاهم على البنود نفسها التي تضمّنتها المبادرة الفرنسية ليُعطي المزيد من الإطمئنان لها على الصعيد المدني، في ما يتعلّق بضرورة تحقيق الإصلاحات التي لا بدّ وأن تستجيب لرغبة الشعب اللبناني، واتباع الشفافية والمساءلة وتأليف حكومة خالية من الفساد.

وبرأي الاوساط، إنّ الولايات المتحدة تبنّت مبادرة ماكرون كونه أبدى استعداده لمساعدة لبنان ولدفع المجتمع الدولي لمساعدته أيضاً، من خلال قدرته على حثّ المسؤولين اللبنانيين على ضرورة تنفيذ الإصلاحات المطلوبة ووقف الفساد ومحاربته في أسرع وقت ممكن. لكنّها أرسلت بالتالي شينكر الى لبنان لمتابعة مسألة المساعدات الأميركية التي قدّمتها بعد انفجار المرفأ، ولتعطي المبادرة الفرنسية بالتالي المزيد من الدفع من دون أن تتعارض الأدوار بين شينكر والرئيس الفرنسي. ولكن ما يُميّز فرنسا عن أميركا في هذا السياق، على ما أشارت الاوساط، أنّها لا تضع أي «فيتو » على الحوار مع أي مكوّن سياسي مثل حزب الله، والدليل أنّ ماكرون التقى جميع ممثلي القادة والأحزاب في قصر الصنوبر، ومن ضمنهم ممثل الحزب ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد، في الوقت الذي تُصنّف فيه الولايات المتحدة (وكذلك بريطانيا وألمانيا) حزب الله منظّمة إرهابية، وتقوم بالتهجّم عليه في كلّ مناسبة.

وعن حصر شينكر محادثاته مع أطراف من اتجاه واحد دون الأخرى، فتجده الأوساط يؤكّد على الموقف التقليدي للولايات المتحدة التي غالباً مع تتحالف مع أطراف داخلية معيّنة وتُعادي أخرى وفق مصالحها الخاصة والدولية. علماً بأنّ التسوية الدولية بين الولايات المتحدة وإيران من شأنها أن تسلك طريقها الى النور في غضون أشهر، على ما هو متوقّع، وعندها قد يُعاد خلط الأوراق وتغيير الأداء من قبل الإدارة الأميركية وممثّليها تجاه الأطراف التي تُعاديها حالياً.

ولعلّ التنسيق الأميركي- الفرنسي غير المُعلن القائم اليوم هو الذي جعل زيارة شينكر تقتصر على ممثّلي المجتمع المدني برأي الاوساط، وذلك لكيلا يتمّ تكرار ما عرضه ماكرون على المسؤولين اللبنانيين من جهة فيتظهّر هذا التنسيق وتُصبح الولايات المتحدة ملتزمة به، ولكيلا يُكرّر شينكر بالتالي موقف بلاده من حزب الله، على ما فعل وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو خلال زيارته السابقة الى لبنان، وخصوصاً أنّه موقف متشدّد وقاسٍ، ولن يفيد أي دولة أو جهة ولا الإصلاحات في المرحلة الراهنة. وشدّدت على أنّ الإدارة الأميركية أعطت بعد انفجار 4 آب، الضوء الأخضر للرئيس الفرنسي لتصحيح الوضع القائم في لبنان قبل وصول البلاد الى الإنهيار والإفلاس، وهي تنتظر النتائج سريعاً لتقييم ما إذا كان نجح في دوره «المستحدث » هذا أم لا، ولتظهر عندها النوايا الأميركية الفعلية.