ادخلت باخرة روزوس الى مرفأ بيروت بتاريخ 27 حزيران 2014 وتم تفريغ موادها المتفجرة  بناء على طلب دائرة التنفيذ ببيروت، بناء على طلب المدير العام لوزارة النقل والأشغال العامة عبد الحفيظ القيسي.

وعليه، قام قاضي الامور المستعجلة بوضع المديرية العامة للنقل البري والبحري حارسا قضائيا وهو رئيس الميناء التابع لوزارة الاشغال محمد رامح المولى على نيترات الأمونيوم لتخزينها وحراستها. وبالتالي فإنّ ذلك يعني بحسب القانون أنّ المسؤولية تترتب عليها بحسب المادة 131 من قانون الموجبات والعقود التي تنصّ على أنّ حارس الجوامد المنقولة وغير المنقولة يكون مسؤولاً عن الأضرار التي تحدثها تلك الجوامد، حتى في الوقت الذي لا تكون فيه تحت إدارته أو مراقبته الفعلية.

في غضون ذلك، حصلت عدة مراسلات بين وزارة المالية والجمارك وطلب وزير المال انذاك علي حسن خليل من الجمارك اعادة مراسلة القضاء او احالة رد قاضي الامور المستعجلة الى هيئة القضايا والتشريع ولكن الوزير علي حسن خليل اكتفى بهذا الرد ولكن دون ان يأخذ اي قرار حيال هذه المواد الخطيرة. وايضا حصلت مراسلات بين الجمارك والجيش، وبين الجمارك والقضاء. انما وللاسف لم تبادر اي جهة الى اتخاذ قرار بتلفها او مصادرتها وبمعنى اخر لم تقم اي جهة بإبعاد هذه المواد المتفجرة الخطيرة عن بيروت واهلها بل تركوا الامور على ما هي عليه.

} الجمارك وصلاحياتها  }

من ناحية الجمارك، وجهت المديرية العامة للجمارك سواء في عهد المدير العام السابق شفيق مرعي  او الحالي بدري ضاهر 6  كتب الى قاضي الامور المستعجلة في بيروت مطالبةً اياه بالسماح باعادة تصدير البضائع بصورة فورية الى الخارج حفاظًا على سلامة المرفأ والعاملين فيه. من بينها كتاب الى هيئة القضايا بواسطة وزارة المالية راجية احالته الى قاضي الامور المستعجلة لمطالبة الوكالة البحرية المعنية باعادة تصدير هذه البضائع بصورة فورية الى الخارج حفاظا على سلامة المرفأ والعاملين فيه او النظر بالموافقة على بيع هذه الكمية الى الشركة المحددة في كتاب قيادة الجيش (الشركة اللبنانية للمتفجرات ـ مجيد الشماس).

انما في عام 2013 اي خلال فترة تولي شفيق مرعي ادارة الجمارك والتي حينها دخلت باخرة روزوس الى مرفأ بيروت ورغم مراسلته لوزير المالية الا ان شفيق مرعي لم يقدم على اتلاف هذه المواد الخطرة. كذلك الامر يجوز على مدير الجمارك بدري ضاهر الذي عين عام 2017 والذي كان على علم بخطورة نيترات الامونيوم ورغم ذلك لم يبادر الى اتلاف او مصادرة هذه المواد. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: بما أنه  تواصل كل من مرعي وضاهر مع وزير المالية وابلغاه بوجود مواد خطرة في المرفأكون وزير المالية هو رئيسهم مباشرة، لماذا لم يقدم احد منهما على اتلاف النيترات الامونيوم؟ هل هناك جهة منعت ذلك؟

والحال ان المادة 144 من قانون الجمارك تنص على انه يمكن مدير للجمارك إتلاف البضاعة التي يثبت من المعاينة أو التحليل مخالفتها للقوانين والانظمة.  ويجري الإتلاف من قبل لجنة خاصة يعينها مدير الجمارك العام ويتم على نفقة صاحب البضاعة، على أن يجري إخطاره لحضور عملية الإتلاف، وفي حال تخلفه تتم العملية في غيابه ويحرر بذلك محضر من قبل اللجنة. ايضا البند الثالث من المادة 144 من قانون الجمارك يمكنها من  فرض إعادة تصدير البضاعة بدلا من إتلافها، اذا كان من شأن الاتلاف الاضرار بالبيئة، وذلك ضمن الشروط التي يحددها مدير الجمارك العام.

كل هذه الامتيازات والصلاحيات التي يعطيها القانون للجمارك لم يستخدمها مديرا الجمارك شفيق مرعي وبدري ضاهر. لماذا اكتفوا بتقاذف المسؤوليات مع قاضي الامور المستعجلة فادي العلوف الذي اتخذ قرارا بتعويم باخرة روزوس مخالفا القانون بما ان هذا القرار من صلاحية رئيس محكمة البداية؟

} اللجنة المؤقتة لادارة واستثمار مرفأ بيروت برئاسة حسن قريطم }

هذه اللجنة  تعنى بحراسة العنابر وصيانتها والسهر على سلامة المواد المخزّنة ويقع عليهم مسؤولية مباشرة نتيجة تخزين النيترات مع مواد اخرى خطرة وعدم احترام ابسط قواعد السلامة العامة (لا اجهزة اطفاء- لا تهوئة ـ لا صيانة ـ لا فرز للمواد...)

} القاضي جاد معلوف  }

في هذا النطاق، أُرسلت عدة مراسلات من الجمارك لإعادة تصدير البضائع، لكن القاضي جاد معلوف كان يدوِّن الطلب ويرسله إلى هيئة القضايا، التي لم تُجب سوى مرة واحدة بالموافقة على إعادة التصدير. وكلّف القاضي الدولة اللبنانية مناقشة اختصاصه للبحث في نقل ملكية البضائع خلال مهلة أسبوع. في المقابل، ان اتفاقية «هامبورغ» 1978 وتعرف باتفاية الامم المتحدة للنقل البحري للبضائع تجيز وفقا للمادة 13 من الاتفاقية  إتلاف البضائع وليس فقط نقل ملكيتها في حال كانت خطرة ومن دون دفع أي تعويض لمالكها. هذه الاتفاقية هي عبارة عن  نظام قانوني موحّد ينظّم حقوق والتزامات الشاحنين والناقلين والمرسل إليهم بموجب عقد نقل البضائع بحراً. وقد بدأ نفاذ الاتفاقية في 1 تشرين الثاني 1992.

انطلاقا مما ذكرناه ، كان يجب على قاضي الأمور المستعجلة، وسنداً لأحكام الفقرة 2 من المادة 579 من قانون أصول المحاكمات المدنية، أي من دون طلب من أحد، اتخاذ القرار بإتلاف هذه المواد الخطرة سنداً لأحكام المادة 13 من اتفافية هامبورغ، من دون الاكتراث لحقوق مالكيها، لأن هذه المادة لا تفرض تسديد ثمنها لهم أو بيعها وفرض الحراسة القضائية على ثمنها، تماماً كما هو الامر بالنسبة إلى البضائع القابلة للتلف بدلاً من قضاء أربع سنوات في إجراء تبليغات وطلب مناقشة اختصاصه ومناقشة السند القانوني لبيع البضائع أو إتلافها.

} القاضي بيتر جرمانوس  }

وفقا للاصول، ابلغ امن الدولة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية السابق بيتر جرمانوس بوجود نيترات الامونيوم في المرفأ اضافة الى ان امن الدولة ابلغ القاضي جرمانوس بقرار قاضي الامور المستعجلة تفريغ هذه المواد الخطيرة في العنبر رقم 12 غير ان جرمانوس ابلغ بدوره جهاز امن الدولة ان ملف المواد المتفجرة والخطيرة لا يندرج ضمن اختصاص النيابة العامة العسكرية. ورغم ان شحنة نيترات الامونيوم والتي تعد مواد خطيرة سريعة الاشتعال والانفجار وبالتالي هذا الامر يهدد الأمن القومي للدولة اللبنانية وتدخل في نطاق اختصاص استخبارات الجيش، فإن  القاضي جرمانوس قرر أنها ليست من صلاحيات النيابة العامة العسكرية. اما الامر المريب، فهو ان القاضي جرمانوس نفى لاحقا تلقيه اي اتصال من جهاز امن الدولة حول هذا الملف رغم تأكيد الاخير على الاتصال.  وغرد جرمانوس على تويتر انه لم يتلق اتصالا بتاتا من امن الدولة ولم يعرض عليه اي تقرير عن نيترات الامونيوم من اي جهاز امني.

} مديرية المخابرات ومكتب امن المرفأ }

مديرية المخابرات تتولى كل ما يمكن ان يمس بالامن القومي اضافة الى انها تتولى امن المرفأ وبالتالي وجود اي خطر يهدد السلامة العامة يقع ضمن مهامها وتتحمل مسؤوليته بالكامل.

في هذا السياق، تقول المصادر ان رئيس أركان الجيش السابق اللواء وليد سلمان وقّع مراسلة نيابة عن قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي إلى المدير العام السابق للجمارك، شفيق مرعي، تبلغه فيها قيادة الجيش أنها ليست بحاجة إلى مادة نيترات الأمونيوم البالغ وزنها 2755 طناً. واقترحت قيادة الجيش على الجمارك مراجعة مالك الشركة اللبنانية للمتفجرات مجيد الشماس لتبيان إمكانية الاستفادة من المادة المذكورة في حال عدم الرغبة في إعادة تصديرها إلى بلد المنشأ على نفقة مستورديها.

} القاضي غسّان عويدات

وأمن الدولة }

في 28/5/2020 ابلغ جهاز امن الدولة مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات حول وجود كميات كبيرة من مادة نترات الامونيوم في العنبر رقم 12  ولكن دون ان يرسلوا له التقرير الذي اعده امن الدولة انما  دعا  القاضي عويدات الى فتح محضر تحقيق بالموضوع فورا.

وعليه، تم استدعاء المهندس محمد زياد راتب العوف وهو رئيس مصلحة الامن والسلامة في ادارة واستثمار مرفأ بيروت ومسؤول عن امن وسلامة السفن الراسية على ارصفة المرفأ وسلامة المنشآت داخله. في التحقيق نفى المهندس محمد العوف علمه بأن يكون احد ابواب العنبر 12 مخلوعًا ووجود فجوة في الحائط.

- تم استدعاء رئيس الميناء التابع لوزارة الاشغال محمد رامح المولى الذي افاد ان العنابر والمنشآت داخل المرفأ تخضع لسلطة ادارة واستثمار مرفأ بيروت.... وانه سجل تحفظه عن تعيينه حارسًا قضائيًا على البضاعة المحجوزة، ونفى علمه بأن يكون احد ابواب العنبر 12 مخلوعًا ووجود فجوة في الحائط.

- القاضي غسان عويدات ترك العوف والمولى حرّين من دون محاسبة ووجّه كتاباً بواسطة امن الدولة الى ادارة واستثمار مرفأ بيروت لتأمين حراسة للعنبر وتعيين رئيس مستودع له وصيانة كامل ابوابه واقفالها ومعالجة الفجوة الموجودة في جداره الجنوبي وباقي الفجوات اذا وجدت. كما امر عويدات امن الدولة ختم محضر التحقيق وايداعه اياه.

في المقابل، تقول المعلومات ان امن الدولة علم بوجود نيترات الامونيوم في كانون الثاني عام 2020 الا انه قرر ابلاغ المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات  في 29 ايار 2020. كما امر القاضي عويدات بصيانة كامل ابواب العنبر رقم 12 ومعالجة الفجوة الموجودة في جداره الجنوبي ولكن ذلك لم يحصل فورا بل بدأ العمل لصيانة وسد الفجوة في العنبر رقم 12 الذي يحوي نيترات الامونيوم يوم 4 اب 2020 يوم وقوع الكارثة.

والامر الذي يثير التساؤلات لماذا لم يحقق القاضي غسان عويدات مع قضاة الامور المستعجلة ولماذا لم يحقق مع اي من وزراء الاشغال المتعاقبين منذ ظهور باخرة روزوس وهم الوزير غازي العريضي وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس وميشال نجار؟ لماذا لم يحقق مع كبار المسؤولين التي تقع عليهم المسؤولية؟

والحال ان التحقيق العادل يجب ان يشمل كل المعنيين في ملف شحنة نيترات الامونيوم فلا يجب ان يحاسب فقط الموظفين الصغار في حين يبقى الجناة الفعليون احراراً ودون تحقيق.

ان العدالة لبيروت ولاهلها تبدأ بمعاقبة الرؤوس الكبرى التي لم تقم بواجباتها وفقا للقانون وبمعاقبة كل من اهمل واستهتر بأمن المرفأ وبالتالي بأمن بيروت وناسها.

لبيروت حقها علينا وهي تنتظر العدالة بفارغ الصبر وضحايا انفجار مرفأ بيروت يستحقون تحقيقا عادلا. ذلك ان ما حصل في 4 اب 2020 في مرفأ بيروت هو جريمة وحشية من صنع المهملين وغير المكترثين لسلامة شعبهم. نريد الحقيقة ونطالب بتحقيق يؤدي الى نتائج جدية وهذا ابسط مطلب امام بشاعة الجريمة التي وقعت في المرفأ والتي حولت بيروت الى ركام ودمار وخراب والتي لا تزال جروحها نازفة في قلب كل لبناني.