تطويع القرار السياسي من باب المصرف المركزي عصب المرحلة القادمة

ثلاثة محاور: سياسية واقتصادية ونقدية... أساس الخطّة الفرنسية

أصبح معروفًا لدى الجميع أن فرض العقوبات الأميركية على جمّال تراست بنك، شكّل نقطة التحوّل في السياسة الأميركية، وكانت شعلة الحرب التي أوصلت وضعاً مُهترئاً بالأساس إلى ما نحن عليه اليوم. وليس بالجديد القول ان كمّ الفساد الهائل وغياب السياسات الحكومية على مرّ العقود أدّت إلى هشاشة واضحة في هيكلية الرقتصاد، سقط فيها هذا الأخير عند أول انقطاع لأوكسيجنه أي الدولار الأميركي.

البزار السياسي استمرّ بعد ثورة 17 تشرين الأول والمناكفات أخذت منحى «ولاديًا» في بعض الأحيان لتأتي الحلول أقلّ من المستوى المطلوب لمواجهة أزمة مثل هذه الأزمة. لبنان المُرتبط سياسيًا بعدّة محاور متباعدة الواحدة عن الأخرى، يدفع ثمن هذا الإرتباط إقتصاديًا واجتماعيًا مع حرمانه من عصب إقتصاده أي الدولار. كل ما تلاه كان مناكفات وإتهامات بين أهل السياسة فيما بينهم وبين أهل السياسة والمال، كلٌ يُخوّن الآخر: تارة هذا عميل أميركي، وتارة أخرى هذا عميل إيراني...

واستمرّ الوضع بالتآكل إلى أن وصلنا إلى الجريمة الكبرى انفجار مرفأ بيروت الذي ذهب ضحيته 200 شهيد وأكثر من 6000 جريح! وهنا ظهر الإهتمام الدولي بلبنان وعلى رأسه الإهتمام الفرنسي الذي تلقّفه اللبنانيون بشكل إيجابي جدًا وصل إلى حدّ مطالبة البعض بعودة الإنتداب الفرنسي! لكن وكما يقول المثل «حساب الجمّال شيء وحساب الجمل شيء أخر».

لماذا هذا الإهتمام الدولي بلبنان وخصوصًا الفرنسي منه؟ ثلاثون عامًا من الفساد وتم غضّ النظر عن الفاسدين! لا بل على العكس العديد من المؤتمرات الداعمة للبنان أمّنت استمرارية التركيبة السياسية القائمة. فبين باريس 1، باريس 2، ستوكهولم، وباريس 3 أمّن المجتمع الدولي أكثر من عشرة مليارات دولار أميركي في مقابل وعود لم يتمّ الإلتزام بها، وعود بالظاهر إقتصادية، وإصلاحية، وإنمائية لكن التطوّرات الحالية تدلّ على أنها كانت تحمل أبعادًا أخرى أو شروطاً غير مُعلنة.

مقومات لبنان عديدة نذكر منها النفط والغاز، ولكن أيضًا ثروته المائية، موقعه الجغرافي خاصة بالنسبة لإعادة إعمار سوريا، احتضانه لمليون ونصف نازح سوري غير مرغوب بهم في أوروبا... في المقابل كان لبنان يُشكّل عُقدة أمام صفقة القرن مع كلٍ من سوريا والعراق مع قاسم مُشترك بينهم وهو حزب الله.

المشروع الأميركي أو ما يُعرف بصفقة القرن يحتاج إلى لبنان لتطبيقه إن من ناحية البنى التحتية (سكك الحديد...) أو من ناحية احتضانه للاجئين الفلسطينيين. أضف إلى ذلك مُشكلة الحدود البرية والبحرية مع «إسرائيل» وعدم تطبيق القرار 1559 الذي ينصّ على حصر السلاح بالجيش اللبناني.

ما لم تستطع القوى السياسية تقديمه للمجتمع الدولي، سيتمّ أخذه من الباب الاقتصادي! هذا ما لم يعد يطرح أي مجال للشكّ خصوصًا أن الملفّات المكدّسة لبعض السياسيين والضغط الهائل على الاقتصاد ستُسهّل بدون أدنى شكّ إعطاء المجتمع الدولي ما يريده على الرغم من رفض الرأي العام. المسألة مسألة وقت لا أكثر ولا أقلّ!

} لبنان نقطة تقاطع بين مصالح الدول }

للمرة الأولى منذ الوصاية السورية على لبنان، تتقاطع مصالح الدول على لبنان مما سمح لفرنسا بالعودة إلى لبنان من الباب الكبير. فرنسا التي فقدت نفوذها في المنطقة خصوصًا في الملف السوري بعد التوافق الروسي ـ التركي، أيضًا في الملف الليبي، رأت في العودة إلى لبنان من باب المساعدة فرصة كبيرة تسمح لها من جهة بفرض نفسها في المعادلة اللبنانية، ولكن أيضًا فرض نفسها عسكريًا (بحريًا) في منطقة يُسيطر عليها الوجود الأميركي ـ الروسي مع وجود بحري كبير. على هذا الصعيد، من المتوقّع أن تأتي حاملة الطائرات شارل ديغول إلى لبنان لدعم الوجود الفرنسي (تونير...) وهذا ما سيُشكّل رسالة واضحة لتركيا الطامحة إلى توسيع نفوذها في المنطقة والتملّص الكلّي من معاهدة سيفر (Traité de Sèvres ) التي حدّت من الوجود التركي في المنطقة حتى مضيق البوسوفور. تركيا التي تُحاول إقناع واشنطن أنها أفضل حليف لها في المنطقة، تواجه الثلاثي اليونان ـ فرنسا ـ إيطاليا في مواجهة قد تصل إلى حدّ الإشتباك الجوّي بين المقاتلات التركية واليونانية. لذا يأتي الوجود البحري الفرنسي ليدّعم الثلاثي ضدّ تركيا.

الأميركيون من جهتهم مشغولون بالإنتخابات الرئاسية التي أصبحت على أسابيع من أيامنا هذه، وبالتالي أوكلت الإدارة الأميركية إلى فرنسا الملف اللبناني مع تنسيق كبير وبعض الهامش للجانب الفرنسي. وليس بجديد على أحد القول إن الأميركيين يعملون على كل الجبهات للجم نفوذ حزب الله وإلغاء أي تأثير له في القرار الرسمي اللبناني.

كذلك الأمر بالنسبة للإسرائيليين الذي يرغبون بالتطبيع السريع مع الدول العربية وحلّ مُشكلة الحدود مع لبنان من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخ الدولة العبرية. من هذا المنطلق، أخذ الرئيس الأميركي على عاتقه وخدمة لحملته الإنتخابية، تحقيق الرغبات الإسرائيلية في أسرع وقت وهو ما يحصل حاليًا.

المثلث الذي خلقه اتفاق أبراهام بين «إسرائيل» والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأميركية سيكون له دور أساسي ومحوري في مواجهة التمدّد الإخواني القادم من تركيا ولكن أيضًا في مواجهة تمدّد الإيراني. وانضمام عدد من الدول العربية الأخرى مثل البحرين وحتى المملكة العربية السعودية قد يؤسس لحلف عسكري ضخم في المنطقة يصعب بعدها على أي دولة طامحة في كسر هذا الحلف عسكريًا نظرًا للقدرات العسكرية التي سيتمتّع بها حلف يضمّ مصر ـ إسرائيل ـ السعودية ـ المملكة العربية السعودية ـ الإمارات العربية المتحدة ـوالبحرين.

عمليًا هذا يقودنا إلى الشق الاقتصادي حيث إن سايكس ـ بيكو اقتصادي جديد سيرى النور، وهناك إلزامية على الدول المعارضة الالتزام بهذا الاتفاق. وبما أن لبنان له دور استراتيجي من ناحية إعادة إعمار سوريا ولكن أيضًا من غازه القابع تحت سطح البحر والذي تفوق مداخيله الصافية للدوّلة اللبنانية مئات المليارات من الدولارات...، فإنه لا يُمكن للبنان إلا الالتزام من خلال الخضوع للرغبة الدولية.

عمليًا على الأرض، هناك شبه استحالة للحديث عن سلام بين «إسرائيل» ولبنان نظرًا إلى أن الرأي العام اللبناني بقسم كبير منه يُعارض فكرة التطبيع مع العدو الاسرائيلي. من هذا المنطلق، تأتي الخطّة الدولية لوضع لبنان تحت الوصاية المالية الدولية، ولما لا وصاية سياسية من خلال الضغط على الطبقة السياسية من باب العقوبات.

نقطة أخيرة تبقى غامضة في ظلّ هذا التقاطع والتي قد تخلق فجوة فيه وهو الحديث عن عقد سياسي جديد. فالتغيّرات لمصلحة الشيعة في لبنان هي حقيقة بدأت فرنسا تتعامل معها وتواصلت مع الأفرقاء السياسيين من هذا الباب. وبالتالي فإن تصريح الرئيس ماكرون في لبنان في أكثر من مرّة عن أن حزب الله يُمثّل قسماً من اللبنانيين يؤكّد أن ماكرون يأخذ بعين الإعتبار هذا الواقع وهو ما دفعه أغلب الظن إلى الحديث عن عقد سياسي جديد (تراجع عنه لاحقًا تحت وطأة الإنتقادات)، وقد ألقى بمخاوف في الأوساط السعودية خصوصًا من ناحية أنه يمسّ بالطائف، وبالتالي تأتي المخاوف من ثنائية مسيحية ـ شيعية  لتحل محل الثنائية المسيحية ـ السنّية التي أرساها الطائف.

} وصاية صندوق النقد والمركزي الفرنسي }

من الغريب عند سماع تصريحات المسؤولين الدوليين (إيمانويل ماكرون، ديفيد هيل...) ملاحظة ذكرهم كلهم بندَي الإصلاحات والتدقيق في حسابات مصرف لبنان. وهنا يُطرح السؤال: إذا كان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة محسوب على الأميركيين، لماذا إذاً يُطالب ديفيد هيل وماكرون وغيرهما بالتدقيق في حسابات مصرف لبنان؟

إذا كان التدقيق نابعاً من شكوك تتناول الوزراء والمسؤولين في الدولة اللبنانية بما فيهم سلامة وبالتالي سيسمح التدقيق في حسابات المركزي بالوصول إلى مصدر الفساد، فهو مُخطئ. الأسباب عديدة وعلى رأسها «ملفات فساد السياسيين» التي يمتلكها ماكرون والتي هدّدهم بها، وبالتالي لا يُمكن أن يكون كشف الفساد هو سبب المطالبة بالتدقيق في حسابات المصرف المركزي. الأمر أكبر من ذلك بكثير!

في الواقع هناك رغبة دولية في وضع مصرف لبنان تحت وصاية صندوق النقد الدولي من باب المصرف المركزي الفرنسي. وضع اليدّ هذا تُرجم سابقًا من خلال التدقيق الجنائي، وهو ما لن تسر فيه القوى السياسية خوفًا من التغلغل الإسرائيلي من بوابة شركات التدقيق. لذا طرح الرئيس ماكرون على لبنان أن يقوم المصرف المركزي الفرنسي بعمليات التدقيق هذه وهو ما لم تعارضه القوى السياسية.

الواضح أن وضع يدّ صندوق النقد على لبنان سيسمح للمجتمع الدولي بالتحكّم بمصرف لبنان وسيجعل لبنان أسيرًا لقرارات المجتمع الدولي من باب مصرف لبنان الذي يحوي أموال الدوّلة، ولكن أيضًا أموال المودعين. والأخطر من ذلك هو مصير المصارف التجارية اذ إن تصفير رأسمال المصارف كما اقترحته خطّة الحكومة المستقيلة وقبول صندوق النقد هذه الخطة، يفتح الباب أمام ضخّ مُستثمرين أجانب لأموال تسمح لهم بوضع اليدّ على القرار المصرفي الإستراتيجي. وهو أغلب الظنّ ما دفع رياض سلامة إلى القول للمصارف إن من لا يستوفي شرط زيادة رأسماله 20% سيخرج من السوق أملا منه في أن يقطع الطريق على المجتمع الدولي .على هذا الصعيد، تلقّغ عدد من السياسيين مثل دولة نائب الرئيس إيلي الفرزلي والنائب إبراهيم كنعان هذه المخاطر ورفضوا الخطّة الحكومية التي اعتبروها «هدّامة للبنان».

خطّة الحكومة المستقيلة تنصّ على فتح خمسة مصارف جديدة وإعطائها رخص (وهو ما يرفضه سلامة) بهدف القضاء على المصارف القديمة التي لا تخدم مصالح هذه الدول، وبالتالي حصد المداخيل المستقبلية للثروة الغازية بعدّة أشكال. وما يؤكّد هذا القول أن صندوق النقد الدولي يشترط دمج المصارف وخفضها بشكل كبير من 40 مصرفاً إلى بضعة مصارف، بالإضافة إلى امتناع شركة توتال الفرنسية عن الإفصاح عن وجود الغاز في البلوك رقم 4!

لكن الطبقة السياسية التي ترى أن الفأس أصبح فوق رأسها، لا تتردّد في التضحية بالسيادة النقدية لإنقاذ نفسها.

إذًا ومما تقدّم، نرى أن التدقيق في حسابات المصرف المركزي هو نوع من أنواع الـ «mise en scène» التي تهدف إلى عزل سلامة. فقانونا «السرية المصرفية» و«النقد والتسليف» يمنعان إعطاء المعلومات إلا للأشخاص المسموح لهم وبالتالي لا إمكانيللدخول الى الحسابات المالية للمركزي إلا من خلال تعديل هذه القوانين أو سيبقى التدقيق مبني على المعلومات المجمّعة التي تحصل عليها شركتي التدقيق العالميتان اللتان تدققان في حسابات مصرف لبنان.

} إستقلالية المركزي والأمن القومي }

من الواضح أن استقلالية المصرف المركزي أمّنت له حتى الساعة حجب المعلومات السرية التي تدخل ضمن الأمن القومي وتُبقيها بمنأى عن العين الإسرائيلية. هذه الأخيرة دخلت في كل المجالات وتتجسّس على كل ما يحصل في لبنان، إن بواسطة الإتصالات أو بواسطة الإنترنت أو بواسطة أشخاص. لكن الإصرار الدولي على التدقيق في حسابات المركزي بدل التشديد على التدقيق في حسابات الوزارات والمؤسسات بالإضافة إلى المركزي، يُثبت أن معلومات مصرف لبنان المالية هي فقط داخل مصرف لبنان!

وضع اليدّ على مصرف لبنان سيسمح للمركزي الفرنسي بأخذ هذه المعلومات ومُعالجتها تحت أنظار الإسرائيليين الساهرة، وبالتالي سيخسر لبنان هذا العنصر الأساسي.

أيضًا إستقلالية المصرف المركزي أمّنت للبنان حرية الإستيراد من خلال تأمين الدولارات، وبالتالي الأمن الإجتماعي، وهذا ما سيتمّ فقدانه في المرحلة المقبلة مع خضوع مصرف لبنان إلى الإملاءات الخارجية بهدف تطويع القرار السياسي المعارض.