عادت الأزمات من جديد لتُحيط بنا من حدب وصوب، فمنذ ساعات «طار الدعم» عن السلع المتعلقة بالإنتاج الحيواني والزراعي، والسبب بحسب وزارة الإقتصاد هو أن الأسعار ارتفعت بدل أن تنخفض، بحيث بات الاستمرار بالدعم «ضرب جنون»، لأن الدعم يذهب لجيوب «مجهولة» والمواطن يتحمل الخسارة مرتين، ولكن هل هذه كل الحقيقة بشأن ما يعانيه المجتمع اللبناني اليوم من أزمات؟

إن رفع الدعم عن هذه السلع، لا ينفصل عن الأخبار التي تتحدث عن رفع الدعم نهائيا عن السلع التي لا يزال مصرف لبنان يدعمها، أي القمح، المحروقات والدواء، الأمر الذي بحال حصوله سيعني بحسب اوساط سياسية، إنهيار المنظومة الإجتماعية في لبنان، لأن الشعب اللبناني لا يزال حتى اللحظة متمسكا بأمل تحسن الأوضاع بعد تشكيل حكومة مصطفى أديب، ولكن رفع الدعم سيفتح الباب أمام انفجار المجتمع اللبناني، الذي عاد ليواجه الأزمات مجددا، فهل هي أزمات طبيعية أم مُفتعلة في سياق التفاوض القائم اليوم؟

على وقع المفاوضات القائمة على مسار تشكيل الحكومة العتيدة، عادت بعض الأزمات التي كانت قد تراجعت بعد إستقالة حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة حسان دياب إلى الواجهة من جديد، فإلى جانب ارتفاع أسعار السلع المتعلقة بالإنتاج الحيواني والزراعي، يعاني اللبنانيون اليوم من أزمة كهرباء مستجدة وتقنين قاس، وأزمة محروقات عادت من جديد بحيث عمدت محطات وقود على التقنين ببيع السلع، الى جانب أزمة دواء في كثير من المناطق، وارتفاع جديد بسعر الدولار في السوق السوداء، بحيث وصل الى حدود الـ 7500 مجددا، وهذا الأمر لا تعتبره أوساط سياسية متابعة، عفويا.

من وجهة نظر هذه الأوساط السياسية، فإن هذه الأزمات في الأصل كانت قد بدأت بالظهور نتيجة الخلافات على بعض الملفات السياسية الكبرى، وبالتالي تُستخدم في بعض الأحيان كأدوات ضغط بالرغم من الظروف المالية والاقتصادية المعروفة في البلاد، ما يعني عدم القدرة على التعامل معها على أساس أنها عرضية فقط.

ولا تستغرب هذه الأوساط أن يكون الهدف من ذلك هو إستخدام تلك الأزمات في أطار مفاوضات تشكيل الحكومة العتيدة، التي تواجه ضغطاً فرنسياً واضحاً من أجل الإسراع في تأليفها، بينما القوى المحلية التي أظهرت تعاوناً مع باريس تسعى إلى تحقيق بعض المكاسب الجانبية، كالرغبة في حرمان بعض القوى من حقائب أساسية كانت بعهدتها أو السعي إلى الحصول على حقائب معينة.

وتلفت الأوساط نفسها إلى أنه في ظل حكومة تصريف الأعمال، الجميع يدرك محدودية القدرة على معالجة أي أزمة قد تنفجر، ما يعني صعوبة حل أي أزمة قد تنفجر قبل ولادة الحكومة العتيدة برئاسة مصطفى أديب، وبالتالي، على ما يبدو يراد إستخدام هذا الواقع من أجل تحقيق بعض المكاسب أو دفع بعض الجهات إلى تقديم تنازلات معينة، من الممكن بعدها أن تعود العناوين المطروحة اليوم الى التراجع عن واجهة الأحداث.

وتكشف أن أزمة الكهرباء غير معلومة الأسباب، خصوصاً بعد تأكيد المعنيين سابقاً أن المحروقات تكفي حتى الأشهر الأخيرة من العام، خاصة بعد وصول كميات من المحروقات من العراق الى لبنان بعد انفجار بيروت، وبالتالي تُثير هذه الازمة علامات استفهام كثيرة عن سببها وتوقيتها، كذلك فإن أزمة المحروقات تشبه ازمة الكهرباء، أي ليس لديها أسبابا موجبة.

وتحذر الأوساط من خطورة اعتماد هذا السلاح في التفاوض، لأن الرقص على اوجاع اللبنانيين لم يعد مزحة، مشيرة الى أن هذه الأزمات تترك ندوباً في جسد المجتمع اللبناني الذي يتجه نحو الإنهيار، وعندها ستأكل الناس بعضها حرفياً، ونسب البطالة سترتفع الى معدلات جنونية، ونسب الجرائم ستصبح قياسية، وسينهار البلد الذي يتحاصص البعض ثرواته، ولن يبقى لأحد ما يتحاصص عليه.