كل الغرب عندنا. كما لو أننا على ضفاف القرن التاسع عشر. انقاذ لبنان من الموت السريري. لا أحد سأل أين الصين في هذا الكرنفال؟ قيل لنا اذا دخل التنين الى بلدكم فلسوف يبقى الغاز في قعر البحر، ولسوف تبقون أنتم في قعر الأرض ...

ازدادت قناعتنا. لولا المسيحيون لما كان لبنان، ولم يكن لبنان. الآخرون دخلوا على عربات القمح والشعير الى دولة لبنان الكبير.

المسلمون المنهمكون في البحث عن عظام آبائهم (وتاريخنا حافل بمثل تلك الظاهرة)، سيبقون هكذا الى يوم القيامة. الزمن أقفل أبوابه في وجوههم.

المسيحيون ليسوا بأحسن حال، وقد تفاعلوا بقوة مع ديناميات الحداثة. كلهم تحت هذا العنوان للبريطاني توماس هوبز. الجميع ذئاب الجميع. انها ... الأنانيات القاتلة !

غير أن الدول الغربية تتدخل، في لحظة ما، لاستيعاب الأنانيات القاتلة. الدول الاسلامية لم تتوقف يوماً عن تسويق الايديولوجيات التي تحث على التفرقة، وعلى اقامة الجدران، والى حد الاختلاف على ولادة القمر. لا تنسوا صناعة خطوط التماس. في لبنان، أنظروا كيف تقطع الطرقات. في وجه من؟ ولحساب من؟ لعلكم شاهدتم أحد رجال الدين وقد خرج للتو من تورابورا ليقفل الطرقات. تسألون، أين كان الساطور في ذلك المساء؟

كلما غصت المساجد بالمصلين، وكلما لعلعت مكبرات الصوت، اقتربنا أكثر فأكثر من الانفجار السني ـ الشيعي. لا ننسى أن هناك ساسة برؤوس الثعابين وهم يلعبون بهذه الدمى أو تلك لكي لا يبقى حجر على حجر.

اللاجئون الفلسطينيون، والنازحون السوريون، باتوا، أكثر فأكثر جزءاً من النسيج اللبناني. لاحظوا وتيرة التكاثر (ما شاء الله). اذا ما استمروا هكذا لبضع سنوات، لا بد أن يغدو نازح سوري رئيساً للجمهورية. من الخيمة الى ... القصر !

قطعاً، هؤلاء أشقاؤنا. لا مشكلة عندنا في أن يتحولوا الى لبنانيين، ولكن بعيداً عن ذلك السيناريو الذي يرمي الى احداث تعديل في الخريطة الديموغرافية للبنان. تالياً قيام طائفة مركزية وتتمحور حولها الأقليات، بحيث تزاح التوازنات الهشة، واللولبية، بين الطوائف.

دعوا جانباً ديفيد شينكر، بالوجه الأصفر، وبالتكشيرة الصفراء. الفرنسيون ليسوا مقتنعين بصدقية القيادات المسيحية الراهنة. يعتبرون أن رقصها الهيستيري حول القصر الجمهوري، بكل تلك النرجسية، وبكل تلك الزبائنية، انما تحوّل المسيحيين الى حطام سياسي. أين هم المسيحيون الآن؟؟

المشكلة التي واجهها ايمانويل ماكرون حين التقى نخبة من كبار الخبراء الفرنسيين من أجل بلورة خارطة طريق لانقاذ لبنان، أن غالبية أركان الطبقة السياسية تحولوا الى مومياءات. البديل ليسوا «أساقفة الأنين»، أي المعذبين تبعاً لوصف خوسيه ساراماغو، بل أحصنة طروادة الجاهزة لتأجير ظهورها لأي عابر سبيل.

تلك النائبة السابقة، والزميلة السابقة، التي تحاول أن تكون الباسيوناريا (اكليل الألم). المرأة الاسبانية الرائعة التي كانت تمشي حافية القدمين وتصرخ في وجه الديكتاتور لا بالرولز رويس، ولا بالعدسات الملونة، ولا بالدراجة النارية الفاخرة، وقد أصبحت من مظاهر الفانتازيا.

لا سبيل الا الوصاية بالقوة لادارة المرحلة الانتقالية ما بين موت المنظومة الحالية وولادة المنظومة البديلة. ولقد رأينا كيف أن قادة مسيحيين، لطالما ولغوا في لعبة الدم، وحيث كل واحد منهم يحمل السيف الخشبي على أنه سيف قسطنطين الأكبر، يطرحون أنفسهم على أنهم أهل الخلاص بمواصفات بيلاطس البنطي.

يوم انفجار المرفأ، وهو يوم «التيتانيك» في لبنان، وبعيداً عن الترهات التي من هنا وهناك، أدى الى تعرية الطبقة السياسية. البعض الذي يدير الدولة بمنطق المقبرة، والبعض الذي يدير الدولة بمنطق الكازينو، والبعض الذي يدير الدولة منطق المغارة. أولئك الموقوفون هم ضحايا المسار الفلسفي الذي كرسه هؤلاء، وحيث الفساد، وحيث العشوائية، وحيث الغياب التراجيدي للرؤية، أو للاستراتيجية التي تحفر في الزمن .

بدل أن يحفروا في الزمن، حفروا قبورهم، وقبورنا، بأيديهم. أيها الناس ... هبوا من قبوركم!!