لم تأتِ بعض الكتل النيابية خلال الإستشارات النيابية المُلزمة للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة الجديدة مصطفى أديب على ذكر الحصص التي تريدها، فيما طالبت كتل أخرى بحقائب وزارية معيّنة، وتمسّك البعض الآخر بالحقائب السيادية التي جرى توزيعها خلال الحكومات الأخيرة السابقة على الطوائف الرئيسية في البلاد، وإن اعتُمد مبدأ المداورة. الأمر الذي أظهر أنّ «تحكّم» السياسة في تشكيل الحكومة العتيدة لم يتغيّر بعد، على ما أمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقابل حثّه المجتمع الدولي على تقديم المساعدة لها وعودة الدعم من صندوق النقد الدولي بعد تأليفها سريعاً.

فما يهمّ الرئيس ماكرون هو «تشكيل حكومة بمهمّة محدّدة»، فيما لا تزال الأحزاب السياسية، على ما يؤكّد مصدر سياسي مطّلع، تقوم بالدور نفسه الذي لعبته خلال تشكيل الحكومات السابقة. فالمحاصصة الطائفية وتقاسم الحصص الوزارية واحتساب عدد الوزراء لصالح هذا الحزب أو ذاك، كلّها أمور من شأنها عرقلة مهمّة أديب في التأليف. كما أنّها لا تأتي بحكومة متجانسة من الإختصاصيين هدفها العمل الجدي على إنقاذ البلاد وليس توزيع المكاسب.

ومضى حتى الآن أسبوع على فترة الـ 15 يوماً التي حُدّدت لولادة الحكومة، كما على زيارة الرئيس ماكرون الثانية للبنان التي أوضح خلالها أنّ «الأسابيع الستّة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل لبنان»، من دون أن تُظهر المكوّنات السياسية بعضاً من التنازل الواجب لصالح تشكيل حكومة من الإختصاصيين الحياديين أو المستقلّين نوعـاً مـا. فيما المطلوب إيجاد أشخاص كفوئين من جميع الإختصاصات يُمكنهم العمل من دون العودة الى قادتهم أو أحزابهم السياسية، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بمـصلحـة الـبلد.

ويقول المصدر نفسه إن الرئيس الفرنسي أظهر استعداده أمام المسؤولين اللبنانيين متابعة الوضع الداخلي من بلاده، في ما يتعلّق بتشكيل الحكومة والبدء بإجراء الإصلاحات الأساسية المطلوبة من قبل المجتمع الدولي كما من قبل الشعب اللبناني. كما قال إنه سيتولّى بنفسه تقييم التقدّم اللازم، على أن يزور لبنان في كانون الأول المقبل، عندما تكون الأمور قد سُوّيت وبدأت مسيرة الإنقاذ تسير على السكّة الصحيحة. أمّا إذا بقيت الأمور على حالها، وهذا ما يبدو حتى الآن، فإنّ تأليف الحكومة سيطول أكثر من 15 يوماً بكثير، ما سيُطيح بإمكان ولادة «حكومة المهمّة» وتحقيق الإصلاحات الموعودة.

وبرأي المصدر، إنّ عدم موافقة «تيّار المستقبل» من جهة، و«حزب القوّات اللبنانـية» من جهة ثانية، على المشاركة في الحكومة، فضلاً عن استقالة نوّاب «حزب الكتائب» وعدم تمكّنهم بالتالي حُكماً من المشاركة فيها.. هذا الى جانب الحزب التقدّمي الإشتراكي الذي أعلن أيضاً عن عدم رغبته في المشاركة في الحكومة ولكنّه مع التسهيل، وأنّه في حال جرى تعيين وزراء من أصحاب الكفاءة والإختصاص من المحسوبين على النائب وليد جنبلاط فلن يعترض.. كلّ هذه المواقف تجعل من مهمّة أديب أكثر صعوبة ممّا هو متوقّع.

كذلك، فإنّ عدم تسهيل المكوّنات السياسية التي تودّ المشاركة في الحكومة مهمّة أديب، ستجعل الحكومة الجديدة، إمّا من لون سياسي واحد على غرار حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة، أو حكومـة محاصصـة وحصص، على غرار الحكومات السابقة. وإنّ أياً من الحالتين، لن تكون حكومة التغيير التي طالب بها الرئيس الفرنسي ويريدها الشعب اللبناني. علماً بأنّ القوى أو الكتل السياسية التسع التي اجتمعت بماكرون قد تبنّت المبادرة الفرنسية ووعدت بإنجاحها لكي يستعيد لبنان ثقة المجتمع الدولي به، كما ثقة شعبه.

وبين رغبة رئيس الجمهورية ميشال عون تشكيل الحكومة الجديدة من 24 وزيراً، ونيّة أديب بتأليفها من 14 وزيراً، على ما تحدّثت المعلومات، فإنّ الحكومة سترسو على 20 وزيراً، يؤكّد المصدر نفسه أنّه ليس من أي اتفاق نهائي حصل بين الرجلين حتى الآن على حجم الحكومة، وقد جرى خلال اللقاء تبادل بعض الآراء والمواقف بينهما. وقد أسدى الرئيس عون بعض النصائح لأديب مثل أنّ حمل وزير لحقيبتين يُؤدّي الى تقصيره في إحداها، أو في الاثنتين معاً. ولهذا يُنتظر من الرئيس المكلّف خلال الأسبوع الحالي أو المقبل وضع تصوّر أوّلي ما للحكومة الجديدة لعرضه على عون ليُصار الى مناقشته معاً بهدف أن تنال الحكومة الثقة في مجلس النوّاب أوّلاً.

وعن الجمود الذي يسود مسألة التشكيل، نفى حصول هذا الأمر، مشيراً الى أنّ العمل جارٍ على اختيار شخصيّات سياسية ذات معرفة وخبرة بالشأن العام بالحدّ الأدنى، بعيداً عن الولاءات السياسية لكي تتمكّن من العمل بجديّة وفاعلية على إنقاذ البلاد من أزماته المتراكمة. وعقّب المصدر: صحيح أنّ الجميع يتحدّث عن التسهيل، وأنّ الإيجابية هي أفضل ما يجب التحلّي به من قبل جميع المكوّنات السياسية، غير أنّ ذلك لا يُمكن ترجمته من دون ظهور المسوّدة الأولى للحكومة المنتظرة والتي عليها تنفيذ البرنامج الذي نصّت عليه المبادرة الفرنسية وواقفت عليه جميع القوى أو الكتل السياسية التي شاركت في اجتماع قصر الصنوبر.