غنوة عطية

فشلت الدّولة بإبقاء تمويل البنك الدّولي لمشروع سدّ بسري، وذلك بعد سلسلة تظاهرات من قبل بعض الناشطين من جهة وبعد شدّ الحبال بين الحركة البيئيّة اللّبنانية والبنك الدّولي من جهة أخرى. ولكن في المُحصّلة هذا الفشل الأوّل للدولة الذّي يفيد الوطن والمواطن. فما هي الثروات التّي حافظ عليها البنك الدّولي بموجب هذا القرار وماذا يحمل المواطن في جيبه من أوراق رابحة على خلفيّة إلغاء هذا المشروع؟

«مش فرقاني عندي المصاري، بدّي إسترجع أرض أجدادي». بهذه العبارة إختصرت ماري دومينيك مطلبها الأساسي بعدما «وضعت يدَها» الدّولة على أرضها بهدف إنشاء مشروع سدّ بسري. هذه الأرض، من مساحة 135000 م2، كانت تُزوّد ماري بـ 450 طناً من الفراولة خلال ثلاثة مواسم. واليوم، وبالرغم من تحقيق الأرض أرباح هائلة سابقاً، لا تكترث ماري إلاّ لإستعادة أرض أجدادها والمحافظة على تراث منطقتها.

} حماية البيئة.. التراث وأنت }

أوّلُ ثروة حافظ عليها البنك الدّولي هي «مساحة ستة ملايين م2 من المناطق الطبيعيّة والأراضي الزراعيّة التّي كانت ستُدّمر بفعل إنشاء السدّ»، بحسب رئيس «الحركة البيئية اللّبنانية» بول أبي راشد. هذه المساحات هي حاجة للبنانيين، خصوصاً في هذه المرحلة، لكي تخلق لهم فرصَ عملٍ عبر إستثمار فيها عدّة مشاريع زراعيّة ضخمة. حافظ هذا القرار أيضاً على التنوّع البيولوجي بما أنّ مرج بسري يُعتبر من أهمّ الإستراحات للطيور الأوروبيّة والأفريقيّة المهاجرة، وفي حال تمّ إنشاء السدّ، ستغيّر مسارها مما سيعرّضها للخطر.

من ناحية أخرى، حافظ لبنان على مواقعه الأثريّة التّي تستقطب سيّاح من مختلف البلدان، ممّا يساهم في تحسين الأوضاع الإقتصادّية، خصوصاً إذا أكدّت الدراسات أن المسيح مرّ من هذا المكان. فالمواقع الأثريّة تعود لأزمنة تاريخيّة مختلفة وأهمّها المعبد الروماني تحت الأرض، دير القديسة صوفيا وكنيسة مار موسى الحبشي.

ومن لا يهمه المحافظة على البيئة ولا على الأثارات، قد تهمّه سلامته الفرديّة. ربح المواطن سلامته كون كان السدّ «سيهدّد بإفتعال هزّات أرضيّة من الصّعب تقدير درجة قوّتها أو المناطق التي قد تطالها»، يؤكد أبي راشد.

} بديل أو حلّ من البداية؟ }

كان يهدف مشروع سدّ بسري لتأمين المياه لكلّ سكّان بيروت الكبرى؛ 20 سنة للتنفيذ، كلفة عالية والمُحصلّة؟ سكّان بيروت كانوا سيرتوون من مياه سرطانية، كون مياه القرعون غير صالحة للشرب!

إنّ الحلّ الأسرع والأقل كلفة هو تأمين المياه من خلال نبع جعيتا، يؤكد أبي راشد. فبحسب دراسة المعهد الفدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعيّة، إنّ نبع جعيتا يمكن أنّ يوّفر المياه إلى بيروت الكبرى. كما أنّ من الممكن إضافة هذه الكميّة عبر «إصلاح قناة الجرّ وشبكة المياه بين الضبية وبيروت، كونها تروّح حوالي 30 % من المياه، وعبر زيادة قناة جرّ أخرى»، يضيف أبي راشد.

بديلٌ آخر فعّال، هو عبر المخازن الجوفيّة الضخمة القريبة من بيروت. إستناداً إلى دراسة المياه الجوفية للبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2014، لا يوجد عجز مائي في لبنان للمياه الجوفية ولكن لديه فائض. لذا يشير أبي راشد إلى أنّ «إذا حُفرت آبار إضافيّة ونُظّم إستخدامها من قبل الدولة، يمكننا تأمين كميّة أكبر من المياه إلى بيروت في موسم الشحّ».

} «جرّب حظّك مرّة أخرى» }

بعدما فشلت الدّولة من إبقاء تمويل البنك الدّولي لمشروع سدّ بسري، يمكنها أن تلجأ لمصادر أخرى لتأمين هذا الدعم واستكمال المشروع... ولكن!

أيّتها الدّولة وأيّها الحريصون على هذا السدّ، لتأمين مصدر تمويل آخر يجب تحديث الدراسات وخصوصاً تقييم الأثر البيئي. هذا الأمر سيعرقل تأمين الدعم، بحسب أبي راشد، كون إعادة الدراسات ستؤكد تأثيرات السّد السلبيّة على البيئة، التراث والسلامة العامة، كما أنّها ستُبيّن مدى خطورة مياه القرعون. فالجمعيّات البيئيّة التّي سعت منذُ عام 2014 لإسقاط المشروع لم تُجاهد عبثاً.

وفي هذا السياق، بما أنّ تمويل المشروع من مصادر مختلفة شبه مستحيل، وبما أنّ كل الأراضي أصبحت ملك الدّولة، يصبح من الأسهل إعلان رسمياً مرج بسري محميّة طبيعيّة. ماري وبعد قرار البنك الدولي، تنتظر بفارغ الصبر قراراً يلغي المشروع رسمياً، ليسمح لها أن تزرع الفراولة وتحصد في أراضي أجدادها من جديد.