إلى ماذا تهدف العُقوبات التي فرضها مكتب مُراقبة الأصول الأجنبيّة في وزارة الخارجيّة الأميركيّة (معروف بإسم OFAC)، على كلّ من الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، وما هي إرتداداتها المُرتقبة على عمليّة تأليف الحُكومة، وكيف سُتواجهها الأطراف المعنيّة، وكيف ستتعاطى معها باقي القوى السياسيّة اللبنانيّة؟  

بحسب مصدر نيابي مَحسوب على قوى 8 آذار، إنّ العُقوبات الأميركيّة ليست جديدة، لكنّها طالت هذه المرّة قيادات من الصفّ الثاني، والأهمّ أنّها حملت رسائل سياسيّة عدّة، على الرغم من المُحاولات الخبيثة لتغليفها بإتهامات فساد باطلة ومُضلّلة. وقال إنّ أهمّ هذه الرسائل جاء بشكل علني شديد الوُضوح على لسان مُساعد وزير الخارجيّة الأميركيّة لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر الذي سارع إلى التشديد على وُجوب إعتبار سلّة العُقوبات الجديدة بمثابة «رسالة إلى كل من يتعامل مع حزب الله»، مُتوعدًا بمزيد من الضُغوط في المُستقبل «على كل من يُساعد الحزب أو يدعمه».

وقال المصدر نفسه إنّ من ضُمن الرسائل الأساسيّة أيضًا، ومن خلال إستهداف المُعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، الضغط على الرئيس نبيه برّي، إن لجهة وقف إحتضانه حزب الله سياسيًا ومعنويًا ودبلوماسيًا، وإن لجهة تليين موقفه من مُفاوضات ترسيم الحُدود في الجنوب. وتابع المصدر النيابي عينه أنّ من ضُمن الرسائل أيضًا، مُحاولة ضغط على "الثنائي الشيعي" للتخلّي عن وزارة المال في الحُكومة المُقبلة. وبالنسبة إلى العُقوبات على الوزير السابق يوسف فنيانوس، أشار المصدر إلى أنّه يستهدف حلفاء «الحزب» لدفعهم إلى الإبتعاد عنه، ويُشكّل رسالة إلى الوزير السابق سليمان فرجيّة بأنّ طريق قصر بعبدا تمرّ بالإبتعاد عن المُقاومة. وختم المصدر النيابي المَحسوب على فريق 8 آذار كلامه بالتشديد على أنّ رسائل التهديد والوعيد الأميركيّة لن تُرهبنا، بل ستزيدنا تمسّكًا بالدفاع عن المُقاومة، لأنّ هذا هو خيارنا الإستراتيجي، وستزيدنا تمسّكًا بحُقوقنا في المياه والبرّ في الجنوب، لأنّ هذا الملفّ مُرتبط بسيادتنا وبكرامتنا، وستزيدنا تمسّكًا بالتوازن الوطني الداخلي المُتمثّل في نيل وزارة المال، لأنّ هذه المسألة تُشكّل جزءًا من التوازن الوطني، على الصعيدين السياسيّ والمذهبيّ، في ظلّ الدُستور القائم. وإستشهد بكلّ من تعليق الوزير السابق سليمان فرنجيّة وببيان حركة «أمل» أمس، للتأكيد على ثبات المواقف.  

من جهة أخرى، توقّعت أوساط سياسيّة مُطلعة أن يبقى سيف العُقوبات الأميركي مُسلّطًا فوق رؤوس قوى وجهات عدّة، بهدف الضغط السياسي، مُتوقّعة إدراج أسماء أخرى في الأسابيع والأشهر القليلة المُقبلة. وقالت إنّه في حين أنّ المواقف اللبنانيّة من هذه العُقوبات مَعروفة سلفًا، تبعًا لمدى قرب هذه القوى والجهات المَعنيّة من المحور الأميركي أو لمدى بُعدها عنه، رأت هذه الأوساط أنّ الطرف الأكثر حرجًا هو «التيّار الوطني الحُرّ». وعلّلت موقفها بأنّ قيام «التيّار» بانتقاد القرار علنًا، وبالدفاع عن سيادة لبنان، وبرفض التدخّل الأجنبي في شؤونه، قد يُعرّض شخصيّات من «التيّار الوطني الحُرّ» إلى العُقوبات مُستقبلاً، ومن شأنه أن يُدخل «التيّار» في مُواجهة مُباشرة مع واشنطن، ناهيك عن إضعاف فرص رئيس «التيّار» الوزير جبران باسيل الرئاسيّة. وتابعت الأوساط نفسها أنّه في المُقابل، إنّ غضّ الطرف عن العُقوبات الأميركيّة على حركة «أمل» وعلى «تيّار المردة»، والتي تُفيد «التيّار الوطني الحُرّ» بشكل أو بآخر، في سعيه حُكوميًا لنيل وزارة المال، وفي معركة رئيسه الرئاسيّة مُستقبلاً، من شأنه أن يُكسب «التيّار» الرضى الأميركيّ، لكنّه سيُوتّر علاقاته مع قوى 8 آذار. وإذ أشارت إلى ترقّب داخلي لموقف «التيّار»، توقّعت الأوساط نفسها بالتالي أن تكون مواقف «الوطني الحُرّ» من العُقوبات الأميركيّة، توصيفيّة وتحليليّة ورماديّة الطابع.

من جهة أخرى، رأت الأوساط السياسيّة المُطلعة نفسها أنّ الإختلاف واضح بين السياستين الأميركيّة والفرنسيّة المُتبعتين إزاء لبنان والمنطقة. وأشارت إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون يعتمد سياسة إستيعابيّة مع إيران، وهو يعتمد سياسة إصلاحيّة إقتصاديّة في لبنان، بعيدًا عن زواريب السياسة. وأضافت أنّ الرئيس الفرنسي الذي يلعب دورًا مُهمًّا على خطّ تشكيل الحُكومة، وضع جانبًا المواضيع الخلافية الشائكة : من سلاح حزب الله وتدخله أمنيًا في المنطقة، مُرورًا بملفّ ترسيم الحُدود، وُصولاً إلى ملفّ إستخراج النفط والغاز، إلخ. وركّز حصرًا على مسائل إصلاحيّة من شأنها أن تضع لبنان تدريجًا على سكّة التعافي الماليّ والإقتصاديّ، بمُساعدة خارجيّة عبر سلسلة من القُروض والهبات.

ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ الإدارة الأميركيّة تعتمد من جهتها سياسة هُجوميّة وعدائيّة ضُدّ إيران، وهي تضغط على لبنان، لنيل مكاسب سياسيّة مُختلفة، على أمل أن تُوظّفها في معركتها الإقليميّة الواسعة. وأضافت أنّ العُقوبات الأميركيّة المُتكرّرة على شخصيّات وعلى شركات لبنانيّة، وكذلك المطالب بإخراج حزب الله من السُلطة، وتحميله مسؤوليّة الإنهيار الحاصل بهدف تأليب اللبنانيّين عليه، تندرج كلّها في خط بياني واضح، يتمثّل في رفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مُستوى الضُغوط والحملات على خُصومها في الشرق الأوسط، وفي مُحاولة النيل من «رأس حزب الله» ولوّ مَعنويًا، لتوظيف الأمر في المعركة الرئاسيّة بين ترامب ومنافسه الجمهوري جو بايدن في تشرين الثاني المقبل. وختمت الأوساط كلامها بالقول إنّ الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون صعبة جدًا على لبنان بدون أدنى شكّ!