مَضَت مُهلة الخمسة أيّام التي كان قد حدّدها الدُكتور حسّان أديب - قبل إعلانه إستقالة حُكومته، لكشف نتائج التحقيقات في كارثة إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الماضي. واليوم، ومع إنقضاء نحو 40 يومًا على هذه الفاجعة، لا يزال الغُموض يلفّ ما ستؤول إليه التحقيقات المُستمرة، والتي تخلّلتها عمليّات توقيف وجاهيّة عدّة، لشخصيّات إداريّة وأمنيّة مُختلفة. فما هي آخر المَعلومات في هذا الصدد؟

بحسب أوساط سياسيّة مُعارضة، إنّ حريق العاشر من أيلول، زاد الشُكوك القائمة أصلاً بوجود مُحاولات للفلفة التحقيق في إنفجار المرفأ، لأنّه لا يُمكن تصديق أنّه يُمكن تكرار نفس الأخطاء التي أدّت إلى كارثة الرابع من آب، بعد نحو شهر من الزمن فقط، لجهة تخزين مواد خطرة وقابلة للإشتعال جنبًا إلى جنب، أي الزيوت والإطارات، بعد خطأ تخزين المُفرقعات ونيترات الأمونيوم جنبًا إلى جنب، ولجهة القيام بعمليّة لحام وصهر للحديد من دون عزل المواد الحسّاسة ومن دون توفّر أدنى شُروط السلامة والأمان، وفي مُقدّمها تجهيزات الإطفاء وإخماد الحريق، وكذلك لجهة إستمرار وُجود 49 حاوية تحتوي موادًا خطرة، مثل «الأسيد» و«الأسيد فوسفوريك» والوُقود والزيوت، والبطاريّات، في المرفأ حتى تاريخه، بعد كل المآسي التي حصلت! ورأت هذه الأوساط أنّ المُحقّق العدلي القاضي، فادي صُوّان، يسير بشكل بطيء في تحقيقاته، ويتعرّض لضُغوط كبيرة، منها بخلفيّات سياسيّة، ومنها بخلفيّات طائفيّة ومذهبيّة.

وطرحت الأوساط السياسيّة المُعارضة سلسلة من الأسئلة التي لم تجد لها إجابات - بحسب قولها، وأبرزها : لماذا هذه البلبلة بالنسبة إلى  قرار نقل المدير العام الموقوف للجمارك بدري الضاهر إلى سجن الجمارك من عدمه؟ ووفق أيّ معيار تمّ توقيف عدد من الضُبّاط من ذوي الرتب الصغيرة أو المُتوسّطة، علمًا أنّهم قاموا بدورهم لجهة إبلاغ القيادات الأعلى منهم، وتلك الآمرة والناهية، بخُطورة المواد التي كانت مُخزّنة في المرفأ؟ ولماذا حصر المسؤولية بالضبّاط الصغار، وترك كبار مسؤولي الأجهزة والمسؤولين السياسيّين خارج المُحاسبة؟ ولماذا تمّ توقيف رئيس مكتب أمن المرفأ الحالي، من دون توقيف رئيس المكتب السابق الذي كان رئيسًا عندما رست الباخرة «روسوس» في المرفأ، وعندما أنزلت حمولتها؟ ولماذا إرجاء جلسات الإستماع إلى عدد من الوزراء الحاليّين والسابقين المَعنيّين بالملفّ؟ وهل سيتمّ إستدعاء مدير جهاز المُخابرات السابق، أو قائد الجيش السابق؟ وماذا عن الوزراء الحاليّين والسابقين الذين كانوا على علم بالملفّ، هل تشملهم الحصانات؟!

في المُقابل، أكّدت أوساط قضائيّة أنّ التحقيق في إنفجار المرفأ يسير بشكل مُنظّم وحازم، من دون أيّ مُماطلة أو تسويف، مُشدّدة على أنّ هذا التحقيق قد يستغرق المزيد من الوقت، ربّما بضعة أسابيع إضافيّة، لأنّ الملفّ فيه ضخم. وكشفت أنّ التحقيق يتناول ما مجموعه 48 مُراسلة رُفعت إلى مسؤوليّن سياسيّين وأمنيّين وقضائيّين، ويتناول فترة زمنيّة تمتدّ على مدى ست سنوات ونصف السنة، في مرفأ كان يتعامل مع قرابة 1,2 مليون حاوية في السنة! وإذ قالت إنّها تتفهّم رغبة الناس بالمُحاسبة السريعة، أكّدت أنّها بمنأى عن أيّ مُهلة زمنيّة يُحدّدها السياسيّون لإنتهاء التحقيق، وطالبت بمزيد من الوقت، منعًا لحرق المراحل، ولتكون الحقيقة التي سيتمّ إعلانها من قبل القضاء، خالية من الشوائب، لجهة إدانتها المُذنب وتبرئتها البريء.

ونفت الأوساط القضائيّة ما تردّد عن تشويه لمسرح الجريمة، بفعل حريق العاشر من أيلول، مُوضحة أنّ الحريق الذي حصل بعيد نسبيًا عن موقع إنفجار الرابع من آب، علمًا أنّ المسح الميداني إنتهى أصلاً، وحركة العُمال قائمة بشكل شبه طبيعي في باقي أقسام المرفأ البعيدة نسبيًا عن موقع الإنفجار. كما نفت وُجود إستنسابيّة في التوقيفات التي حصلت، مُشيرة إلى أنّ الكثير من التوقيفات تمّت بناء على أقوال موقوفين آخرين، وقد تحصل توقيفات أخرى كلّما دعت الحاجة، علمًا أنّ مسؤوليّة الموقوفين مُتفاوتة جدًا، وبعضها مثلاً يرتبط بالتأخّر في تنفيذ ما طُلب منهم من مهام، أو في عدم مُتابعة المراسلات التي رفعوها، إلخ. وذكّرت الأوساط نفسها بأنّ كلّ مُتهم بريء حتى تثبت إدانته، مُطالبة بالحفاظ على كرامة الموقوفين، خاصة أنّ التحقيق لم يصل بعد إلى مرحلة المُحاكمة، ولا حتّى إلى مرحلة القرارات الإتهاميّة الثابتة.

وأوضحت الأوساط القضائيّة نفسها، أنّ المُدعى عليهم في القضيّة وعددهم 25 شخصًا، باتوا بحكم الموقوفين بموجب مُذكرات وجاهيّة، دون أيّ إعتبار للإنتماء السياسي ولا للإنتماء الطائفي والمذهبي للموقوفين، ما يؤكّد جدّية التحقيق، وعدم تأثّره بالحملات الإعلاميّة. وختمت بالقول : «إصبروا قليلاً، ثم احكموا!».