الأميركيون يقولون «مثلما يستدعي الايقاع التكنولوجي اعادة تركيب الزمن، يستدعي الايقاع الاستراتيجي اعادة تركيب الخيال». عالم ما بعد الزمن أم عالم ما بعد الخيال؟

 في نظرهم أن الكرملين، مثل البيت الأبيض، يسأل الى أين يمكن أن تصل أظافر التنين؟

الصين ظاهرة اسطورية.السور العظيم وحده يشاهد من الفضاء الخارجي. الصينيون صنعوا تماثيل من الحجر لفرق عسكرية بكاملها تخليداً للأباطرة أو للجيوش.

ليس صحيحاً أن أحذيتهم الضيقة، وعيونهم الضيقة، تعني أن خيالهم لا يتعدى خيال الذبابة، كما قال الجنرال دوغلاس ماك آرثر في بدايات الحرب الكورية.

لعل هنري كيسنجر قرأ ما كتبته الباحثة الفرنسية في الشؤون السوفياتية هيلين كارير ـ دانكوس حول تدفق العمال الصينيين الى سيبيريا. رأت أن ذلك يمكن أن يخفي رغبة صينية في الاستيلاء على هذا الكوكب الثلجي الذي يطفو فوق شبكة هائلة من المناجم المعدنية والنفطية.

ربما لم يخطر في بال وزير الخارجية الأسبق أن هذه المنطقة تشاطئ مضيق بيرنغ الذي عبره الفلكيان الصينيان «هو» و«تسي» منذ 4640 عاماً الى الأرض الأميركية.

كيسنجر الذي حمل ريتشارد نيكسون الى ماوتسي تونغ في شباط 1972، كان يعتقد أنه بـ«ديبلوماسية البينغ بونغ»  يحدث زلزالاً استراتيجياً في الكرة الأرضية. حلف أميركي ـ صيني ضد الأمبراطورية السوفياتية، وبعدما كان الشقاق الايديولوجي بين البلدين في ذروته.

المشهد تغير رأساً على عقب اثر تفكك الاتحاد السوفياتي وانطلاق «الأدمغة الصفراء» نحو التصنيع.الصين حليفة لروسيا في السراء والضراء. استخبارات البنتاغون لا تستبعد أن تتحول الصين الى قوة عسكرية هائلة. قد لا تكتفي باجتثاث أميركا من آسيا، كما من الشرق الأوسط، وانما تفرض العزلة ان لم يكن الحصار عليها.

معاهد البحث الأميركية تحاول استثارة الروس بالكلام عن الرغبة الهيستيرية لدى الصين باحتلال سيبيريا التي تزيد مساحتها عن 12 مليون كيلومتر مربع، والى حد الدعوة الى قيام تفاهم أميركي ـ روسي «حتى لا يبتلعنا التنين جميعاً».

 في البنتاغون خطط حول «حصار الصين قبل أن تحاصرنا».تغريدات دونالد ترامب تعكس توجسات الاستبلشمانت، مثلما تعكس «استراتيجية الكلاب»، وحيث النهش العشوائي دون رؤية منهجية محددة.

هكذا، وعلى نحو بهلواني، يضرب الرئيس الأميركي على الأبواب الصينية.بدأ بتحميل الصين تبعات انتشار «كوفيد ـ 19 كمدخل الى صراع معقد وطويل المدى، دون استبعاد الصدامات التكتيكية المباشرة.ثم أثار مسألة الأويغور المسلمين، وبعد ذلك اتخذ سلسلة من الخطوات في شأن هونغ كونغ، قبل أن ينتقل الى التيبت، ثم الى التنديد بما اعتبره اعتداء صينياً على الهند، دون أن ينسى التلويح بالعقوبات بعدما كان قد عرض التوسط بين البلدين.

الأميركيون يفكرون بـ«خنق الصين». نفط الشرق الأوسط في أيديهم، وباستطاعتهم حجبه ساعة يشاؤون عن أي كان.العقدة تبقى في ايران التي يمكن أن تزود الصين بالنفط براً اذا ما حاولت أميركا التذرع بشيء ما من أجل فرض الحصار البحري.

في الأروقة الأميركية اذا ما فاز جو بايدن بالرئاسة، قد تكون له استراتيجيته الخاصة حيال ايران، وهذا ما بدأه باراك أوباما من خلال اتفاق فيينا. البنتاغون يقول ان الصينيين يحاولون قضم الدول الآسيوية، الواحدة تلو الأخرى، وثمة رسالة وصلت الى طهران في هذا الصدد، بوجود رأي بين الجنرالات يقول بمد اليد الى آيات الله مثلما حصل مع كيم جونغ ـ أون.

«وول ستريت جورنال» حذرت من أن يكون التنين على شاكلة الفينيق ويغتسل من الرماد الذي أحدثته الجائحة في الاقتصاد الصيني خلافاً لأميركا وأوروبا اللتين قد تعيشان التعثر الدرامي لسنوات.

نحن، كما تماثيل القش، في قاعة الانتظار. على رؤوسنا قبعات القش...