غنوة عطية

شهدت السلع الأساسيّة خصوصاً من المواد الغذائيّة إرتفاعاً هائلاً بالأسعار، إلاّ أنه يمكن للمواطن أن يعيشَ «عالخبزة والزيتونة» ولا يمكنه أن يعيشَ من دون تأمين دواء إذا إحتاج. فبين ظاهرة إنقطاع بعض الأدوية والإعلان عن عدم إمكانيّة مصرف لبنان الإستمرار بتقديم الدعم إلاّ لثلاثة أشهر؛ تهافت بعضُ المواطنين لشراء كميّة من الأدوية تكفيهم لمدّة ستة أشهر تقريباً. فما هي أسباب شحّ الأدوية، ماذا إذا رُفع الدّعم وما هوالحلّ؟

«بفضّل ما آكل ولا إشرب بس المهمّ ضلّ إقدر إشتري الدواء». هكذا عبّرت هدى، إمرأة في العقد السادس من عمرها، عن قلقها بشأن المستقبل المجهول للأدوية. فهي بحاجة لتأمين دواء للضغط لها ودواء للقلب والسيلان لزوجها شهرياً. لذا، إشترت، وبمساعدة ماديّة من الأقرباء، عدداً من الأدوية يكفيهما إلى ثلاثة أشهر. هدى، وفي حال رُفع الدّعم عن الأدوية، واستمّر سعر صرف الدولار كما هو عليه، ستكون أمامها فاتورة 1250000 ليرة لتسديدها شهرياً بدلاً من 250000.

} أسباب الشّح }

أشارت الدكتورة ميراي، «صيدلنيّة» في المتن، إلى أنّها إنقطعت من بعض أدوية الأمراض المزمنة، لأنّ الوكيل لم يسّلمها الكميّة الكافيّة التّي تطلبها. وفي المقابل، أكثر من 80 % من زبائنها تهافتوا لشراء عدد من الأدوية يكفيهم لمدّة ما بين الثلاثة والستة أشهر. فخسرت بذلك 80 % من مخزونها. «الدّواء الذّي كنت أخزّن منه 50 قطعة وإرتفع الطلب عليه، إضطررت الى بيعه وبالتالي لم أستلم من الوكيل إلاّ 5 قطع».

وفي هذا السياق، ذكر نقيب الصيادلة الدكتور غسّان الأمين للديار، أنّ السبب لعدم تسليم الوكيل الكميّات المطلوبة يعود إلى «بطء بالآليّة المعتمدة للموافقة على الإستيراد وبالتّالي يتأخّر الدّواء ليصل إلى لبنان. فمُستوردو الأدوية يرسلون الفاتورة للمصرف، الذّي بدوره يرسلها لمصرف لبنان، حتّى يوافق بعدها على الإعتماد».

} أسعار كارثيّة }

واشار الأمين إلى أنّ «في حال رُفع الدّعم، ستُسعّر الأدوية وفقاً لسعر صرف الدولار في السوق السوداء، أي سيرتفع سعرها خمسة أضعاف». فهذه عيّنة عن الأسعار الكارثيّة في حال رُفع الدّعم:

دواء مسكّن الألم كـ «البنادول» سيصبح سعره 17500 ليرة بعدما كان 3500. وإذا استغنينا عن مُسكّن الألم فلا يمكننا أن نستغني عن أدوية الأمراض المزمنة كدواء السيلان الذّي سيصبح سعره كحدٍ أدنى 600000 ليرة بدلاً من 140000. أمّا سعر دواء الكولسترول فسيرتفع إلى 120000 ليرة بعدما كان بـ 40000. وكذلك الأمر لسعر دواء السكري الذّي سيرتفع إلى 270000 ليرة كحدٍ أدنى بعدما كان 80000.

وفي هذا السياق، أكدّ الأمين أنه إذا وصلنا إلى هذه المرحلة «ستتوّقف المؤسسات الضامنة عن تغطية فواتير الدّواء. ما يعني أنّ المواطن لن يستطيع تأمين دوائه... وهنا الكارثة!»

} حلّ الأزمة أو شراء الوقت؟ }

سياسات الدّعم والبحث عن حلول لإستمراره، ما هي إلاّ تضميد الجرح وليس طبابته. فبحسب الصحافيّة والباحثة الإقتصاديّة فيوليت غزال البلعة «حاكم مصرف لبنان حاول شراء الوقت باتباع سياسات الدعم. كما حاول أن يمهل الحكومة حتّى تفتح المفاوضات مع صندوق النقد بهدف الحصول على برنامج إنقاذي. ولكن الحكومة هدرت الوقت بين التطورات الأمنية التّي حصلت والخلافات مع المصرف، بدلاً من محاولة تحسين الوضع».

واعتبرت البلعة أنّ سياسات الدّعم نفعت المواطن إلى حدٍ ما، ومكّنته من تأمين إحتياجاته، ولكن المصرف لن يتمّكن من الإستمرار بهذا الدّعم. لذا، لبنان بحاجة لسياسات طويلة الأمد، تمكّنه من الإنخراط بدورة إقتصاديّة سليمة مجدداً. وذلك يكون عبر «تأليف حكومة من إختصاصيين غير سياسيين، يعملون على الأرض بعيداً عن المحاصصة السياسيّة لإستعادة الثقة بالحكم. يكتسبون بذلك ثقة المجتمع الدّولي، ليزوّد لبنان ببرامج وقروض قادرة أن تنعش إقتصاده. هذه الخطوة تخفف من شكوك المواطن بقطاعه المصرفي، مما يُعيد لليرة بعضاً من عافيتها وتُخفّض الأسعار تلقائياً»، تؤكد البلعة. 

يعيشُ المواطنُ في بورصة أزمات، فكّلما أشرقت الشمس تحّل عليه أزمة جديدة. بين أزمة رفع الدعم والأزمات البيئيّة التّي تُفّجر في أيّ لحظة، من الصّعب أن يبقى المواطن بعيداً من الأمراض الجسديّة والنفسيّة. هدى وكل مريض بحاجة إلى دواء للأمراض المزمنة، في حال لن يتمّ إيجاد حلول... سيبدأون مرحلة جديدة : مرحلة الموت البطيء.