تشير مصادر ديبلوماسية متابعة للمشهد السياسي الداخلي، إلى أن ما يحصل على مستوى السجال الدائر بالنسبة لمقاربة الأوضاع لن يترجم على أرض الواقع إلا تقطيعاً للوقت وتضليل الداخل كما الخارج عبر طرح عناوين سياسية ومالية وأمنية من أجل تحويل الأنظار عن الهدف الأساسي الذي تتبناه المبادرة الفرنسية وأكد عليه الإتحاد الأوروبي بالأمس، وهو تحقيق الإصلاحات من خلال حكومة متخصّصة لا تملك فيها القوى السياسية الحالية أي نفوذ من شأنه أن يعرقل عملية التغيير والإصلاح، ذلك أن مثل هذه الحكومة تستطيع أن تفتح الباب أمام المرحلة الثانية من الدعم المالي للبنان، وفق ما شدّدت عليه المصادر الديبلوماسية، والتي أوضحت أن المرحلة الأولى من هذا الدعم تتركّز في إعادة إعمار مرفأ بيروت، على أن تتبعها في المستقبل مساعدات مالية بناء على خطوات إصلاحية شاملة تؤدي إلى تحقيق أمرين، الأول وقف الإنهيار المالي، والثاني إطلاق التغيير السياسي الذي سوف يساعد على تجاوز مناخات الإنقسام السياسي الحاد والإحتقان في الشارع وبين الأطراف السياسية كافة.

وبرأي هذه المصادر، فإن رسائل فرنسية قد وصلت إلى بيروت، ومن خلال ثلاثة موفدين كلّفهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متابعة عملية تشكيل الحكومة في كل تفاصيلها وعقدها السياسية الداخلية، حيث أن الواقع السياسي قد بات في مكان بعيد عن واقع الشارع، وأن عواصم القرار تسعى إلى تحديد المخارج للسلطة السياسية عبر ما طرحه الرئيس الفرنسي، ولكن من دون الدخول في أية عمليات تكوين للسلطة لاعتبارات عدة، ولهذه الأسباب امتنع الرئيس ماكرون عن تأييد أو طرح إجراء انتخابات نيابية مبكرة في الوقت الحالي، نظراً لاستحالة تحقيق هذا الأمر في المدى المنظور، وتحديداً في الوقت الذي تشهد فيه الساحة المحلية تحدياً مالياً غير مسبوق، وسط الحديث عن وقف الدعم الرسمي للغذاء والدواء والمحروقات وتبدو فيه الدولة على مشارف العديد من التحديات.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، فإن التحدي الأساسي يكمن في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وليس التوفيق بين القوى السياسية المتخاصمة من أجل توزيع المقاعد الحكومية، كما لفتت المصادر الديبلوماسية نفسها، والتي تحدثت عن انقلاب في الأولويات نتيجة تسارع التطورات السياسية والإجتماعية وعودة الزخم إلى الإنتفاضة في الشارع وظهور معادلات سياسية جديدة في ضوء التحوّلات بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الماضي.

 ومن ضمن هذا السياق، فإن المصادر نفسها، نبّهت إلى خطورة أية محاولات تجري في الكواليس من أجل تضييع الوقت والمماطلة في تشكيل الحكومة، وذلك بانتظار حصول متغيّرات دولية محتملة، مع العلم أن مثل هذه الرهانات قد يطيح بالوضع الهشّ أساساً ويجهض المحاولة الفرنسية لإصلاح الوضع. كذلك، فقد كشفت عن تشدّد فرنسي برز في الساعات الأخيرة تجاه كل الأطراف اللبنانية من دون أي استثناء، وعن حثّ على التزام سقف مبادرة باريس الحكومية، لافتة إلى أن انسحاب «التيار الوطني الحر» من المشاركة في الحكومة قد شكّل الإشارة الأولى على نجاح التوجّه الفرنسي وعلى الإلتزام به.