عندما إجتمع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع قيادات القوى السياسية خلال زيارته الاولى للبنان بعد انفجار المرفأ تحدث صراحة عن الحوار والتوافق اللبناني ، داعيا الى حكومة وحدة وطنية تمثل الجميع. وقبل مغادرته بيروت حرص ايضا على اعطاء مهلة لتأليف الحكومة مستخدما سياسة العصا والجزرة ، ملوحا بعواقب وخيمة في حال فشلت الاطراف في استيلاد الحكومة.

وقبل ان يصل الى لبنان في زيارته الثانية  سارعت الاكثرية السياسية والنيابية الى تسمية مصطفى اديب لتأليف الحكومة بعد ان اختاره رؤساء الحكومات السابقين باسترشاد من الرئيس ماكرون.

وعكست هذه التسمية على عتبة عودة الرئيس الفرنسي الى بيروت رغبة هذه الاكثرية في التجاوب مع مبادرته والالتزام بانجاحها وفقا للاجواء التي سادت غي قصر الصنوبر  بين ماكرون وقادة وممثلي القوى السياسية او معظمهم.

وساد انطباع في بداية الاستشارات ان عملية تشكيل الحكومة ستسير بانسياب، وانها ستكون حكومة اختصاصيين مطعمة بسياسيين او بنكهة سياسية. وقيل حينها ايضا ان القوى التي سمت اديب سيكون لها كلمة في اختيار ممثلين عنها في الحكومة اكانوا حزبيين ام اشخاص يحظون بدعم وموافقة هذه القوى.

وحينها ايضا لم يصدر عن الرئيس المكلف اي اعتراض، بل اكتفى في تصريحاته المقتضبة بالحديث عموما عن حكومة اختصاص. كذلك حرص الرئيس الحريري على التزام الصمت ونبّه نوابه بان يلتزموا عدم الحديث عن الشأن الحكومي وترك هذا الموضوع له شخصيا حين تدعو الحاجة.

وفي اعقاب الاستشارات التي اجراها الرئيس اديب جاء قرار العقوبات الاميركية بحق الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس في رسالة واضحة لحلفاء حزب الله وللرئيس بري بوجه خاص لممارسة الضغط عليه على غير صعيد، اولا في شأن المفاوضات حول الحدود البحرية  وثانيا في المشاورات حول الحكومة وثالثا في التنسيق بينه وبين حزب الله.

ومنذ اللحظة الاولى نقل عن الرئيس بري ان القرار الاميركي بحق خليل يستهدفه هو شخصيا ، وان الرسالة وصلته لكن الادارة الاميركية اخطأت العنوان.

ويقول مصدر مطلع انه بعد قرار العقوبات الاميركية اخذت تتجمع معطيات تؤكد ان هناك محاولات لتغيير المشهد الذي ساد في لقاء ماكرون مع القوى السياسية اللبنانية في زيارته الاولى وخصوصا مع حزب الله، وان هناك محاولة جادة يشارك فيها فريق من اللبنانيين بالتناغم مع الدوائر الاميركية وجهات اخرى لاستغلال المبادرة الفرنسية من اجل فرض شروط قاسية على خصومهم لا سيما الثنائي الشيعي واحراجه مع الرئيس ماكرون، لذلك اوضح الرئيس بري في بيان مكتبه ان المشكلة ليست مع فرنسا بل في الداخل ومع من في الداخل.

ويشير الى ان هناك محاولة من قبل هذه الجهات لحرف المبادرة الفرنسية التي انطلقت في اطار انقاذي جامع وليس لاستهداف طائفة او فئة سياسية دون اخرى.

ويكشف المصدر عن ان باريس كانت ابلغت الجهات اللبنانية قبل ازمة وزارة المال والعقوبات الاميركية انها جاهزة دائما لمساعدتهم من اجل تاليف الحكومة لكنها لا ترغب بالغرق في تفاصيل الحساسيات اللبنانية اوالتعقيدات المتعلقة بتوزيع بعض الحقائب وخصوصياتها، مركزة على اختيار وزراء ذات كفاءة واصحاب اختصاص.

وفي المعلومات ان تأزم عملية تأليف الحكومة ليس سببه مشكلة وزارة المال كما يتراءى للبعض، وانما ناجم عن اسباب اخرى .

ويقول احد نواب الثنائي الشيعي انه بالاضافة الى موضوع وزارة المال فان هناك مسألة جوهرية فاقمت الوضع وهي محاولة الرئيس المكلف بايعاز من نادي رؤساء الحكومة السابقين تجاهل استمزاج رأي القوى التي سمته في اختيار بعض اسماء الوزراء المفترض ان يمثلوا مذاهب اوطوائف  تملك هذه القوى ثقلا وتمثيلا قويا واساسيا لها. كذلك ذهب ايضا الى تجاهل موقف الثنائي الشيعي الداعي الى حكومة تكنوسياسية او حكومة اختصاص بنكهة سياسية بحجة حصر التوزير برجال اختصاص مستقلين متجاهلا ومتغافلا عن ان من يشاركه في الاختيار هم نادي رؤساء الحكومة السابقين وخصوصا الرئيس الحريري.

ويضيف النائب نفسه ان ما يثير السخرية هو حديث احد رؤساء الحكومة السابقين عن عدم دستورية تمسك الثنائي الشيعي بوزارة المالية في الوقت الذي يتغافل عما اقدم عليه هو وزملائه عندما اجتمعوا واختاروا وسموا الرئيس المكلف قبل الاستشارات النيابية الملزمة التي تعتبر الخطوة الدستورية الوحيدة لهذا الامر دون سواها.

ويخلص المصدر الى القول ان المشكلة ليست محصورة في قضية وزارة المال فحسب،  بل تكمن بالدرجة الاولى في محاولة ابعاد حزب الله كليا عن الحكومة وعن المشهد الحكومي في اطار السعي الى محاصرته والتضييق عليه وعلى حلفائه، وهذه المحاولة لن يكتب لها النجاح.