في أربعين الانفجار (النووي)، ما من سياسي اعتذر من الضحايا، من ذوي الضحايا. هل بلغ بنا الموت الأخلاقي هذا الحد؟ كل حاول أن يستثمر الفاجعة، سياسياً، وطائفياً، لمصلحته الخاصة، كما لو أننا في مستنقع للتماسيح لا في دولة للكائنات البشرية!

حتى في تشكيل الحكومة، نحن الماعز البشري. أين نحن في لعبة الفيلة التي عادة ما تسحق الحيوانات الصغيرة ؟ لا حاجة للأشعة ما تحت الحمراء لكي نشاهد تكشيرة ديفيد كوشنر في عملية التأليف.

لسنا ضد الدور الفرنسي الذي ما زال لديه بعض الحنين الى مخلوقه العجيب (والعجائبي)، ولسنا ضد الوصاية الفرنسية ما دمنا نراقص الهاوية. تراقصنا الهاوية.

هل لنا أن نتصور، مهما بلغت بنا السذاجة، أن وزارة الخزانة الأميركية أنزلت العقوبات بالوزير علي حسن خليل (اختيار يوسف فنيانوس قد تكون له علاقة باختيار رئيس الجمهورية المقبل) في هذا الوقت بالذات، دون خطة مبرمجة، تبدأ بالتعرية السياسية لحزب الله كمدخل الى التعرية العسكرية؟

لسنا معنيين بالدفاع عن أركان الطبقة السياسية. متى كانت الشفافية، والنزاهة، والعدالة، في أولويات السياسات الأميركية، لا سيما في هذه المنطقة التي، وكما قيل لنا، أن الأنبياء أنزلوا فيها تحديداً لتكون الجنة على الأرض لا الجهنم على الأرض.

 ما حصل كان بمثابة انذار الى الرئيس نبيه بري. اما أن تفك علاقتك بالحزب، أو أنك تجازف بكل ارثك السياسي. رئيس المجلس النيابي أكثر ذكاء من أن لا يدرك المعنى، وأكثر ذكاء من أن يتجاهل المعنى، في هذه الأسابيع الخطرة من السباق الى البيت الأبيض.

 العقوبات، ان بقيت دون مفاعيل، لا بد أن تستتبعها خطوات أخرى لاحداث بلبلة في الحالة اللبنانية قد تفضي الى ما لا تحمد عقباها. ألا يتداخل كل هذا مع نشاط بعض أجهزة الاستخبارات التي تقوم بتشكيل خلايا أو بايقاظ خلايا نائمة بقيت لفترة تحت خيمة الانتظار ؟

ابحثوا عن تلك الاستخبارات في الشمال، ربما في مناطق اخرى. «الاخوان المسلمون» يتحركون تحت أكثر من عباءة، وفي ظل أكثر من لحية. كل هذا بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، وربما بالتنسيق مع «الموساد» أيضاً، ما دام دونالد ترامب في ذروة التواطؤ مع بنيامين نتنياهو من أجل كسر الجدار اللبناني أمام «صفقة القرن»، وقد تقرر تنفيذها على مراحل متلاحقة.

كل هذا يترافق مع عملية تشكيل الحكومة. ايمانويل ماكرون الذي لا يثق البتة بأن الطبقة الحاكمة تستطيع ادارة الحل، وهي التي عجزت عن ادارة الأزمة، يرى أنه لا مناص من التعامل معها كأمر واقع الى أن يحدث التغيير الذي قد يحتاج الى سنوات وسنوات.

   الرئيس الفرنسي يدرك أن كلمة «الثورة « فضفاضة جداً، وضبابية جداً. لبنان، بتشكيله الجيولوجي المعقد، لا يمكن أن يكون أرض الثورات. دائماً أرض التسويات.

الكلام عن تنسيق فرنسي ـ أميركي ليس دقيقاً. واشنطن مع حكومة بمواصفات المستشار القديم الجديد اليوت أبرامز الذي لا يرى في لبنان سوى تركيبة هجينة، ويقتضي أن تكون تحت الادارة الاسرائيلية.

لا عدو للأمبراطورية الأميركية سوى أمبراطورية حزب الله. ترامب مستعد أن يفعل أي شيء في اطار صلاحياته لارضاء اللوبي اليهودي الذي يزداد جنوحاً نحو اليمين، وتبعاً للايقاع الايديولوجي في اسرائيل.

داخل النخبة التي ترى في المقاومة «ظاهرة مقدسة» وفي قيادة الحزب «ظاهرة تاريخية»، في ظل التقهقر العربي الراهن، تدعو الى انفصال الحزب عن الأوليغارشيا الراهنة بالأيدي الملطخة. النخبة اياها تعرف أن حزب الله يتعرض لحصار هائل اضطره للتغاضي. هذا  لم يعد ممكناً بعدما علت، وعلت، أصوات الاعتراض.

لا سكوت على أي محاولة لحصر التشكيل في فريق يعكس رؤية شينكر للحكم وللحكومة. الدولة قد تلفظ أنفاسها الأخيرة ان لم تبدأ رحلة الخلاص من هذه اللحظة.