لم تتشكّل الحكومة الجديدة خلال أسبوعين، على ما نصّت عليه المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر، معلناً «الوصاية الجديدة» على لبنان، رغم موافقة القادة وممثليهم التسعة الذين التقاهم على بنود هذه المبادرة ووعدهم لـه بتسهيل ولادة «حكومة المهمّة» الإنقاذية والإصلاحية على أساسها. هذه الفرصة التي وفّرتها فرنسا للـبنان بهـدف دعمه وإنقاذه من الوضع الإقتصادي والنقدي المنهار من جهة، ولتحقيق مصالحها فـي المنطـقة مـن جـهة ثانية، لم يتلقّفها المسؤولون اللبنانيون، على ما تقول أوساط سياسية مطّلعة، كون كلّ مكوّن سياسي منهم رفض التخلّي عن مشاركته في الحكومة، كما رفض خسارة حصّته الوزارية لصالح الأهداف الأميركية و«الإسرائيلية» في المنطقة.

وصحيح بأنّ المرحلة الحالية تتطلّب حكومة من الإختصاصيين وأصحاب الكفاءة والنزاهة، غير أنّ تشكيلها من دون الثنائي الشيعي ومن دون حزب «التيّار الوطني الحرّ»، يجعلها من لون واحد موالٍ للإدارة الأميركية، بحسب الاوساط، وهذا اللون لا يُرضي الداعم الأساسي لتأليفها أي فرنسا التي تُطالب بتوزير الإختصاصيين وفق كفاءتهم وليس تبعاً لطائفتهم أو اتنمائهم الحزبي أو ولائهم الخارجي، إنّما يُرضي أميركا وحليفتها «إسرائيل»، ما سيجعلهما رابحتين من خلال قدرتهما على تحييد هذه الأحزاب عن الحكومة. علماً بأنّ الولايات المتحدة سعت خلال تشكيل الحكومات السابقة الى «تحييد» حزب الله عنها ولم تتمكّن من تنفيذ ما تبتغي، لا سيما في حكومات الرئيس سعد الحريري وحكومة حسّان دياب التي تقوم حالياً بتصريف الأعمال، كونه شريك في الحياة السياسية والمجلس النيابي.

وتجد الوساط، بأنّ عدم توافق الجميع على تشكيل «حكومة إصلاحية» من الإختصاصيين المستقلّين، يُظهر استمرار الخلاف السياسي بين المسؤولين السياسيين، وعدم إعلاء مصلحة الوطن على المصالح الشخصية. ويـؤدّي بالـتالي وبعد المزيد من المشاورات التي يُجريها رئيس الجمهورية ميشال عون بـعد تقديم الرئيس المكلّف مصطفى أديب تصوّر أولي له تمّ تسريب الأسماء الوزارية التي تضمّنها، الى عدم التشكيل، وبالتالي، الى اعتذار أديب ربّما عن التأليف. الأمر الذي يُعيد ولادة الحكومة الجديدة الى نقطة الصفر أو الى المربع الأول ما قبل التكليف.

غير أنّ الوصول الى اعتذار أديب عن التشكيل من شأنه عدم تشجيع الرئيس الفرنسي على الدعوة الى المؤتمر الدولي من أجل دعم لبنان الذي وعد بالحثّ على عقده في أواخر تشرين الأول المقبل لدعم لبنان حكومة وشعباً. ولهذا، فإنّ الأمـور لن تبقى على حالها، على ما شدّدت الأوساط نفسها، رغم عدم تقيّـد المسـؤولين بالمهلة التي أعطاها ماكرون لتشكيل الحكومة بسبب خلافاتهم التي تبدأ ولا تنتهي، سيما وأنّه يُتابع التطوّرات بأدقّ تفاصيلها. كما أنّ التشـاور معه يستمرّ بشكل يومي عبر الهاتف، وقد يقوم  مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم بزيارة ثانية الى باريس موفداً من الرئيس عون ليضعه في الأجواء كافة، من أجل تسوية الأمور وتسريع ولادة الحكومة في غضون أسابيع إذا أمكن، وإلاّ فإنّ المجتمع الدولي لن يُبدي استعداده لدعم بلد لا يتفق فيه سياسيوه على تشكيل حكومة فاعلة ومنتجة وإصلاحية.

وعن تشكيلة الحكومة التي عرضها أديب على الرئيس عون والتي لا تضمّ وزراء حزبيين خصوصاً الذين سمّوه للتكليف، أكّدت الاوساط، أنّه في حال وافق عليها رئيس الجمهورية وهذا الأمر مستبعد، فهي لن تنال الثقة في مجلس النوّاب. وحتى إن تمكّنت من نيل الثقة فهي لن تحظى بصلاحيات إستثنائية تجعلها قادرة فعلاً على إنقاذ البلاد من أزماته الكثيرة والمتراكمة. ولـهذا، سيُصـار الى تعديل بعض الأسماء فيها بالإتفاق بين عون وأديب، بعد انتهاء المشاورات التي يُجريها رئيس الجمهورية، أو التوافق على تشكيلة جديدة، وقد يقوم أديب بالإعتذار في حال وجد أنّ حكومته لن «تُقلّع» بالضغوطات المفروضة عليه قبل التأليف من قبل رؤساء الكتل النيابية.

من هنا، يبدو أنّ الحكومة الجديدة سيتمّ تشكيلها، على ما يرى المتابعون، وفق النهج نفسه الذي ساد تأليف الحكومات الأخيرة السابقة، لأنّ التغيير المطلوب لم يشمل النظام بعد، ولم تحصل عملية إصلاحية هيكلية شاملة له، ولم يجر التوافق على أي «عقد جديد» دعا الـيه الرئيس ماكرون. ولهذا، فمن غير الممكن تشكيل حكومة إصلاحية من الخبراء غير السياسيين أو المنتمين الى الأحزاب في الوقت الذي لا تزال فيـه الكـتل النيابية والأحزاب السياسية تتقاسم الحصص في المؤسسـات والإدارات العـامّة. والحـلّ يكـون بتشـكيل حكومة شبيهة للحكومات السابقة، على ألاّ يتمّ عرقلة عملها، الى حين حلول الوقت المناسب لإجراء مؤتمر تأسيسي يبني للجمهورية الثالثة في لبنان.