شارك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في اجتماع الدورة الاعتيادية الرابعة والأربعين لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية التي انعقدت «عن بعد» الأحد 13 الجاري، وتضمّن جدول أعمالها سبعة عشر بنداً تم التركيز فيها على عدد من الموضوعات الهامة التي تشمل مناقشة التداعيات الاقتصادية والمالية والنقدية لجائحة فيروس «كورونا» المستجد والخيارات في السياسات والأدوات لمرحلة ما بعد الأزمة، ومناقشة أثر تغيّرات المناخ على النظام المالي والاستقرار المالي، والقضايا المتعلقة بتطبيقات التقنيات المالية الحديثة والتحول الرقمي للخدمات والمنتجات المصرفية في ظل تداعيات «كورونا»، إضافةً إلى تطورات جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأهمية تعزيز الشمول المالي.

وتضمّنت الكلمات الافتتاحية، لكل من: محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي عبدالحميد محمد سعيد الأحمدي- رئيس المجلس لهذه الدورة، المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي.

وتحدث في الاجتماع إلى جانب المحافظين، كل من: كريستين لاغارد ـ رئيسة البنك المركزي الأوروبي، ومحمد العريان ـ كبير المستشارين الاقتصاديين في Allianz))، ولويز دي سيلفا ـ نائب مدير عام بنك التسويات الدولية، وسيلفيا غولارد ـ نائب محافظ بنك فرنسا، وماركوس بليير ـ رئيس مجموعة العمل المالي (فاتف).

وتحدث حاكم مصرف لبنانفي  في مداخلة عن الاوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان والتحديات التي يواجهها المصرف المركزي، حيث اختصر المشهد اللبناني بسلسلة من الصدمات التي حدثت خلال فترة زمنية قصيرة، ابتداءً بأزمة السيولة وانعدام الثقة بالمصارف بعد اقفال أبوابها لمدة ثلاثة أسابيع في تشرين الأول الماضي مما أدّى الى الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية وتحويل الاقتصاد اللبناني الى «cash economy»، مروراً بقرار الحكومة وقف تسديد سندات اليوروبوند المستحقة بالدولار الأميركي، بالإضافة إلى جائحة «كورونا» التي أدت إلى تفاقم الركود في جميع القطاعات الاقتصادية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت الذي تسبّب بدمارٍ كبير في العاصمة اللبنانية، وأخيراً استقالة الحكومة. وقال سلامة: في خضم هذه التحديات الصعبة، اتّخذ مصرف لبنان التدابير التي تهدف إلى مساعدة الاقتصاد على الصمود، وحماية أموال المودعين في المصارف اللبنانية، ودعم الأعمال التجارية أثناء انتشار الوباء لضمان استمرار سوق العمل، وتقديم المساعدة للأفراد والشركات الذين تأثروا بانفجار المرفأ. ومن أبرز الاجراءات التي ذكرها في مداخلته قيام مصرف لبنان بإيجاد آليات من خلال تعاميمه للمصارف تسمح بتوفير الجزء الأكبر من السيولة بالدولار لأغراض استيراد المشتقات النفطية والقمح والأدوية والمستلزمات الطبية، بعدما اشتكى مستوردو هذه الواردات الحيوية من نقص الدولار، وأيضا دعم الصناعات اللبنانية من خلال إطلاق «صندوق الأوكسجين للاقتصاد اللبناني» مما يوفر حلاً دائمًا لاستيراد المواد الاولية، بالاضافة الى دعم أسعار السلع الغذائية الأساسية بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة مما ساهم في التخفيف من حدة الآثار التضخمية على المستهلك.

وتطرق الحاكم الى «الدعم الذي قدمه مصرف لبنان لعملاء المصارف الذين تأثروا سلباً بعمليات الاغلاق نتيجة تفشي جائحة «كورونا» وأولئك الذين تأثروا بانفجار مرفأ بيروت وذلك من خلال انشاء آلية تسمح للمصارف بتقديم قروض استثنائية لا تخضع لأي فائدة أو عمولة، ويمكن سدادها على مدى خمس سنوات. وبلغت قيمة القروض الممنوحة للمتضررين من عمليات الاغلاق حوالي 400 مليون دولار اميركي، 18% منها مقابل قروض منحتها المصارف بالليرة اللبنانية و%82 منها مقابل قروض ممنوحة بالدولار الاميركي. واستفاد من هذه القروض ما يقارب الـ29000 توزّعت بين افراد ومؤسسات بهدف تسديد سندات مستحقة (%74)، دفع رواتب (11%)، تغطية نفقات تشغيلية (%9)، وتغطية حاجات انتاجية او رأسمال تشغيلي (%6). أما القروض الاستثنائية الممنوحة للمتضررين من انفجار المرفأ فقد بلغت حوالي 100 مليون دولار.

المداخلة الثانية التي قدّمها سلامة تتعلق بموضوع «أثر تداعيات تغيّرات المناخ على النظام المالي والاستقرار المالي حيث قدّم عرضاً عن المبادرات التي قام بها مصرف لبنان منذ العام 2010 لدعم المشاريع البيئية والطاقة المتجددة وبالتالي المساعدة في مكافحة التحديات التي يفرضها تغيّر المناخ، ومن ضمنها آليات تمويل متكاملة تتيح للمصارف تمويل مشاريع الطاقة في مفهومي الانتاج والاستهلاك NEEREA))  والمشاريع البيئية (LEA) وأيضا مكافحة التلوث البيئي في القطاع الصناعي (LEPAP)، وذلك بمعدلات فائدة تتراوح بين الصفر والـ1% وبفترات تمويل طويلة الامد.

كما ذكّر بإطلاق برنامج الدعم التقني «LEEREFF» الذي تأتي من ضمنه تسهيلات ائتمانية بقيمة 80 مليون يورو مقدمة من البنك الاوروبي للتثمير «EIB» والوكالة الفرنسية للتنمية «AFD»، اضافة الى المساعدة التقنية اللازمة المتمثلة بالاستعانة بالعديد من الخبراء العالميين والوطنيين لتطوير العمل في الآليات الوطنية المعتمدة.

وبالنسبة إلى نشاط المجتمع المدني في هذا المجال، أشاد الحاكم بمبادرة « Lebanon Climate Act » التي تكمل الحوافز المالية التي وضعها مصرف لبنان من خلال دعم المؤسّسات لكي تصبح مشاركة في مكافحة التغيّر المناخيّ ولمساعدة الحكومة اللبنانيّة في تحقيق التزامها بخفض الانبعاثات في لبنان بحسب المساهمات المقررة المحددة وطنياً الخاصة بلبنان. وأخيرا شدّد سلامة على دور هذه المبادرات في خلق سوق جديدة في لبنان، «فالاستثمارات التي سُجّلت في هذا القطاع وصلت الى ما يقارب الـ600 مليون دولار واستفاد منها أكثر من 250 مقترض كما خلقت حوال« 10 آلاف فرصة عمل جديدة بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة زيادة عدد الشركات العاملة في هذا القطاع والتي تخطى عددها الـ300، اضافة الى المشاريع التنفيذية الكبرى وتوجّه بعض الجامعات لتركيز اختصاصات مستقلة في هذا المجال».

وتجدر الاشارة الى أن هذه الاجتماعات السنوية للمصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية على مستوى المحافظين تعقد منذ العام 1972، وقد تم الاتفاق بين المحافظين منذ العام 1978على عقد اجتماعات سنوية لهم في إطار مجلس يسمى مجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، وتحت مظلة جامعة الدول العربية.