كيف أُُنشأ فوج المغاوير وما هي نظرة مؤسسه اليوم؟

اللواء الركن محمود طي ابو ضرغم
65جندياً من أصل 250 أكملوا الدورة والباقون "هرهر

"عندما استدعتني القيادة الى وزارة الدفاع الوطني وكنت يومذاك برتبة نقيب لم أكن أعرف لماذا ومن دعاني بل ظننت أنها دعوة كسائر الدعوات لمقابلة أحد المسؤولين في الوزارة ولكنني وُجّهت الى مكتب قائد الجيش آنذاك العماد أميل البستاني فدخلته حيث بادرني بالقول: "هل تذكر بأننا تداولنا مرة في طرابلس يوم كنت قائداً لمنطقة الشمال بموضوع إنشاء وحدة مغاوير؟"
فأجبته بالإيجاب وكان رده قاطعاً: لقد آن الأوان... قررت القيادة إنشاء وحدة المغاوير وأنا أطلب منك شخصياً أن تضع جميع التعليمات والنظام الداخلي والإختبارات لخلق هذه الوحدة بالسرعة القسوة وهنا أذكر أنني في العام 1960 بعد عودتي من دورة تسلق الجبال في سويسرا لثلاثة أشهر التقيت العماد بستاني قائد منطقة الشمال يومها وتناقشنا بموضوع وحدة مغاوير بالإضافة الى ما بدأ يُعرف عن مخيمات التدريبات العنيفة في عين حزير والتي أُدخلت عليها مادة تسلق الجبال واستعمال الحبال وغيرها والتي هي جزء من تدريب المغاوير".

بهذه الكلمات يروي مؤسس فوج المغاوير رئيس الأركان الأسبق في الجيش اللبناني اللواء الركن محمود طي أبو ضرغم البداية واللحظات الأولى التي رافقت تأسيس هذا الفوج المميّز بطريقة قتاله، والذي تُلقى على عاتقه أكثر المُهمّات صعوبة.

أبو ضرغم يعتبر أن الهدف يومذاك كان إعطاء الجيش زخماً نوعياً في القدرة القتالية وإنشاء نواة طليعية صلبة ونموذجية تستقطب الجند وترفع المستوى المعنوي والقتالي في الجيش كوحدة مركزية تعمل مباشرة بإمرة القيادة العليا آنذاك. ويقول: "المغاوير نوع من الدعوة التي تُلبّى او لا تُلبّى. هي دعوة سامية فيها من الصوفية العسكرية ما يكفي للسيطرة على الذات ومعرفة النفس. وروح البقاء والإستمرار والعطاء والتفاني والتي توظف كلها في سبيل الغير وهذا الغير هو الجيش والشعب والوطن".

بدء التنفيذ

في نهاية اللقاء مع العماد بستاني توجّه أبو ضرغم فوراً الى قطع الجيش ليختار منها حوالى 250 جندياَ فتياً من الذين يرغبون الإنخراط في وحدات المغاوير، وبالفعل بدأ الإستعداد لإستقبالهم وتجهيزهم وكانت أولى التجهيزات متواضعة: بزّة خاصة مميزة وسلاح فردي تمثل برشّيشة "بيريتا" كانت منسيّة في مخازن مصالح الجيش، حُملت على علاتها على أمل التجهيز بالسلاح الحديث.

انتقى أبو ضرغم 250 جندياً من مختلف القطع وأختار ضباطاً اشتركوا في تدريب المغاوير كان منهم العقيد المغوار نبيه فرحات والعقيد المغوار مخول حاكمه اللذان تابعا دورة المغاوير في مدرسة الصاعقة في مصر. وبعد إنهاء المراحل الأولى خضع الجميع لدورة مغاوير استمرت شهرين وجاءت النتيجة الصاعقة: 65 جندياً من اصل 250 جندياً وصلوا الى نهاية المشوار. الباقون "هرهروا" على الطريق.

فاستدع العماد بستاني أبو ضرغم على عجل وقال له: " اتظن أن عندنا مصنع رجال؟ نحن نحتار كيف نحصل على جندي واحد. من أين سأجلب لك العسكر اعطيناك 250 جندياً بقي منهم 65؟

فقال أبو ضرغم: "أعطيتنا 250 وحدة أي ما يصلح ليكون سائقاً أم نجاراً أو غير ذلك وأنا أعدت اليكم 65 طاقة. فالمغوار لا يحسب بالوحدة بل بالطاقة. والطاقة التي اعدتها لكم بعد الدورات القاسية ونجاحها لا تقل قيمة أحداها عن خمس وحدات ولنجري عملية حسابية بسيطة، نجح 65 طاقة وكل طاقة خمس وحدات أي ما مجموعه 325 وحدة هكذا يبقى لي في ذمتكم 75 وحدة".

ويتابع: "بعد هذا الشرح المنطقي ارتاح قائد الجيش لما قلته وحياني طالباً مني المضي بخطتي هذه وواعداً بأنه سيتولى إقناع أركانه. وهكذا بقيت في قيادة المغاوير وأجريت خلال فترة قيادتي دورتين: فرفعت العدد الى 150 مغواراً".



المغوار: ثلاثة أقانيم

يعتبر أبو ضرغم أن المغوار عسكري يرتكز الى ثلاثة أقانيم العقل والقلب والجسد. ويجب أن تتوازن فيه هذه الأقانيم. فالعقل يعني المعرفة والقلب يعني الشجاعة المعنوية، والجسد يعني الطاقة الجسدية والصحية. وكل خلل في أحد العناصر الثلاثة هذه تنتفي معه عن الجندي صفة المغوار، ولكي يقوم المغوار بأي مهمة يجب أن يتحلى بفكر سليم لإستيعاب المهمة التي تحتاج الى المعرفة والدقة في التنفيذ كما أنه بحاجة الى العقل وأما أن يكون شجاعاً فلأن الشجاعة وإن كانت تتمثل بالقلب فهي مصدر الهدوء العصبي الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على الصفاء الفكري اثناء التنفيذ. والصحة أي الطاقة الجسدية موضوعان هامان لأن الجسم الضعيف يؤثر على المعنويات ومن ثم على الصفاء الذهني... وهكذا فإن التوازن بين الأقانيم الثلاثة يسمح للجندي بأن يقوم بمهمات المغاوير بشكل سليم.

ويؤكد أن تدريبات المغاوير أدخلت على الجيش اللبناني أشياءً جديدة جداً وروحاً معنوية جديدة فبواسطة المغاوير أدخل تسلق الجبال والتعامل مع الطوافات والزوارق والتعايش مع الطبيعة وكيفية التعامل مع الزواحف السامة والحيوانات المفترسة والأعشاب البرية كما كان من صلب تدريب المغوار أن يصبح قادراً على استعمال كل الأسلحة المتداولة من مختلف العيارات والنماذج ليتعامل معها بشكل سليم كما يتعامل مع جميع الذخائر والمتفجرات على اختلاف أنواعها.

ويختم: المغوار فرد خطير وسليم في آن، خطير إذا أفلت من زمام القيادة ولم يشعر بوطأة رئيسه وسليم إذا كان يعلم جيداً من هو قائده ويشعر به.

عدم استمرار الفوج وإعادة إطلاقه

عام 1975 إثر الأحداث توقفت التجربة "وتقاسمت" كل "قيادة" وبشهوة قطعة من المغاوير ومنهم شُكّلت نواة "المكافحة" وغيرها... فعمد المؤسس عندما تولى مهام رئاسة الأركان وبتوجيه من قائد الجيش الى الإهتمام مجدداً بالمغاوير وأنيطت هذه المهمة ببعض الضباط الذين كانو من المتفوقين في دورات التنشئة وفي المهمات ويتمتعون بالمناقبية ولا شائبة حول روحيتهم. وهنا يقول أبو ضرغم: " تجربة المغاوير لم تتعثر بل لم تستمر هناك فرق كبير بين الفشل وعدم الإستمرار المغاوير لم يفشلوا في أي مهمة إنما لم يستمروا بعد العام 1975 لا في طريقة تدريبهم او استعمالم أو النظرة اليهم".



مهمة مستحيلة

يذكر أبو ضرغم أن ذات مرة قام الفوج بمهمة شاقة إذ انتقل المغاوير سيراً متواصلاً على الاقدام لمدة تسعين ساعة من مدرسة التزلج في الارز الى بيروت وقد صادف ذلك ليل 5 حزيران 1967 وما أن وصلوا الى مدرسة القتال في بيروت لأخذ قسطٍ من الراحة حتى تلقوا أمراً فورياً من القيادة للتوجه بعد 3 ساعات الى الجنوب فمضوا في مهمتهم وكأن الضباط والجنود كانوا من الجن لا من الأنس.

رؤية المؤسس للفوج اليوم

المغاوير بحاجة الى العناية في هذه الأيام العصيبة خصوصاً أنهم أثبتوا بما لا يقبل الشكّ أنهم رجال اللحظات الحاسمة في كل المعارك العنيفة والتي كان آخرها معركة مخيم نهر البارد ضد تنظيم فتح الإسلام. أبو ضرغم يرى أن معركة نهر البارد لم تكن لتُحسم لولا تدخل المغاوير الذين شكلوا الخط الأمامي للجيش ودفعوا نتيجة ذلك عدداً كبيراً من الشهداء.

ويعتبر أبو ضرغم أن تدريب المغاوير يجب أن يشمل جميع وحدات الجيش اللبناني رفعاً لمستوى التدريب وتعزيزاً للمناقبية العسكرية ورفعاً لنوعية الجندي في القتال، وتوسيعاً لقاعدة الإنتقاء لوحدات المغاوير في الجيش.

ويختم: "الجيش بالنسبة لي ليس مدرسة عسكرية فحسب بل مدرسة إنسانية ومواطنيّة حقة حبذا لو أعطيت حريته وأطلقت يداه إنها المدرسة الوحيدة التي تنشأ المواطن".