محمود زيات

.. وان جاءت التحية التكريمية متأخرة، لكنها في محلها وان بمبادرة محلية، بانضمام اسم الفنان الراحل فهد العنداري، الى الاسماء المرفوعة على اشجار غابة الارز في الباروك، كعلم من اعلام الخط العربي الذين مروا على لبنان في القرن العشرين.
ولعل الرقم المميز الذي صودف ان اُعطيَ للعنداري 3377، قد اضاف نكهة جمالية، الى ما تركه صاحبه من بصمات جمالية وفنية على الحياة السياسية، من خلال خطه على المراسلات الخاصة برئاسة الجمهورية وتعيين الوزراء والسفراء والمخطوطات الفنية القيّمة، والتي اما نُهبت واما حُرقت خلال يوميات الحرب الاهلية عام 1975، حين كانت تُزين رفوف مكتبه في «البلد» التسمية القديمة لبيروت «خطاط الجمهورية اللبنانية»، هو اللقب الذي اطلقه رئيس الجمهورية حبيب باشا السعد في ايار العام 1934 على العنداري، فوجه الرئيس السعد بتاريخ 23 أيار 1934 الرسالة الآتية: «حضرة الخطاط البارع الأستاذ فهد العنداري المحترم
«اطلعت على خطك الجميل فرأيت أن أجيز تلقيبك بـ «خطاط الجمهورية اللبنانية» اعترافاً بحذقك وبراعتك وتشجيعاً لك في سبيل الإتقان والإجادة، وفقك الله». هذا اللقب لم يُضف للعنداري شيئا الى ابداعاته الجمالية في مجال الخطوط، وان شعر بالالتفاتة المعنوية من قبل رئيس الجمهورية، وهو الذي تتلمذ في الخط على يد الشيخ نسيب مكارم وفي الرسم على يد حبيب سرور، وأصبح أحد أبرز الخبراء المحلفين لدى المحاكم اللبنانية في تدقيق الخطوط وكشف المزور منها.
ولد فهد عنداري في بلدة العبادية في قضاء بعبدا سنة 1903. إرتبط بصداقات مع أجيال من السياسيين والأدباء والكتاب الذين حاكوا تاريخ لبنان خلال فترة الاستقلال وحتى وفاته عام 1973م عن سبعين عاما وشيع في بلدته العبادية، تاركا وراءه صفحات جمالية وفنية، وارثا ما تزال معالمه واضحة .. ليرتفع اسمه بعد واحد واربعين عاما على ارزة في غابة الباروك .. الى جانب اسماء كبار من بلادنا.
منحه الرئيس بشارة الخوري عام 1952 وسام المعارف، وفي العام 1954 حاز وسام الاستحقاق اللبناني الفضي من قبل الرئيس كميل شمعون، تقديرا لمخطوطاته التي زيّنت الكثير من الوثائق والمراسلات الرئاسية والحكومية، ومن آثاره التي فقدت منمنمة من الفضة بحجم حبة سمسم كتب عليها أربعة أبيات من الشعر. وقد أرخ لها الشاعر الخوري لويس الفغالي (والد الشاعر أسعد الخوري الفغالي الذي كان يلقب بشحرور الوادي) بقصيدة عام 1934يقول مطلعها:
«يا حبة السمسم مقامك نط
على الثريا وصار إلك رهجة
فهد عنداري عليكي خط
خمسين كلمة وصيّرك بهجة».
} ارثه وبصماته الجمالية..
في العائلة }
تأثر ابناؤه بفنون الخط العربي، فكان ان تعلم الفنان الراحل بهيج العنداري وسار على خطى الوالد الفنان، ليصبح رائدا في تصميم خطوط الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، وكانت خطوطه منتشرة في عدد من الصحف اللبنانية منذ اوائل الستينييات من القرن الماضي حتى سنة ألفين.
اليوم يستمر فن فهد العنداري بولده الاصغر الصحافي والشاعر والرسام.. والخطاط بسام العنداري بسام الذي اختار مجال الإعلام يرى في إرث والده وفي الخَط والرسم متنفسا ووسيلة للتعبير عن الذات لا يوفرها العمل الإعلامي.
لم يحظَ بسام بفرصة التعلم مباشرة من والده. فقد فقده وهو في السابعة من عمره. بدأ بسام يُقلّد كتابات والده من المجلات والكتب واللوحات التي تركها، ويطور مهاراته بجهد شخصي. وكان شقيقه بهيج الذي هاجر إلى لندن يصحح أخطاءه خلال زياراته المتقطعة إلى لبنان.
يقول بسام.. إن «مبادرة تكريم الوالد باطلاق اسمه على ارزة في غابة الباروك، كانت من صديق لي وللعائلة هو المهندس ايمن زين الدين. وقد جاءت على أثر بيتين من الشعر كتبتهما وعبرت فيهما عن الأسى من تجاهل إرث والدي في قريته. فعندما كنت طفلا كانت في العبادية بعض اللافتات التي خطها والدي ولم أكن أدرك قيمتها. وعندما كبرت كانت قد بقيت لافتة واحدة على مدخل جمعية الهدى الاجتماعية. كنت أستمتع بالنظر إليها وأعزي النفس بأنها تقف شاهدا على ذكراه. ومنذ سنوات وجدت أثناء زيارة إلى لبنان أن تلك اللافتة اختفت واستبدلت بواحدة «مودرن». فصدمني الأمر خصوصا أن القيمين على الجمعية لا يعرفون ماذا حدث للافتة وأين هي. ولم يفكر أحد في إيجاد مكان لها أو الاتصال بِنَا على الأقل لحفظها. لا أفهم كيف تلد قرية علما من أعلام لبنان في مجاله وتمحو تراثه كأن شيئا لم يكن. هذا الموقف أثر بالصديق أيمن وعندما سنحت الفرصة اعتبر ان إطلاق اسم والدي على أرزة في جبل الباروك تكريم يليق به فطرح الفكرة عليّ وهكذا كان».
إسم فهد عنداري الذي زرع في غابة الارز في الباروك مكتوب بخطه... فهو صورة عن بطاقة تعريف كتبها في حياته. الاسم بالخط الفارسي الذي أحبه واللقب بخط النسخ. وهو غير بعيد أيضا عن ضريح الشاعر رشيد نخلة الذي يحمل خطه أيضا.
الخطوة الرمزية تكريم للخطاط الكبير تخلد ذكراه مع الأرز بعدما عاشت في أسرة زرع فيها الإبداع .. فكان منها فنانون وشعراء وخطاطون ورسامون.. وصحافيون لامعون.