إنتقد الابتذال وحافظ على القصّة الشعبيّة الهادفـة بطريقة السهل الممتنع

يوسف بلوط

جمع اللغة الشعبية في قالب متهكم ومضحك بعيدا عن الابتذال، وقدم مع عبد الرحمن مرعي في اذاعة «الشرق الادنى» اعمالا جعلت من السمع بصرا، حيث جسد فيها قضايا الناس بطريقة السهل الممتنع.
افتتح مهرجانات بعلبك مع الفنان زكي ناصيف والرحابنة حيث غنت صباح وكان عمرها 10 سنوات.
اكتشف حسن علاء الدين (شوشو) وقدمه من خلال الاذاعة اللبنانية، واستمر في مسيرته حتى كللها في «الدنيا هيك».
انه الفنان والكاتب الراحل محمد شامل الذي عاصر عهودا واشترك مع الكبار حتى اصبح صرحا من صروح المسرح الشعبي والكلمة العفوية الصادقة البعيدة عن الابتذال.
محمد شامل لم يسع يوما في فنه الى المادة، بل نشر الفن المغلف بكتب الادب والشعر الموزون والاقوال والامثال و«السجع»، فجاءت حياته متواضعة رغم انها كانت محط انظار الرؤساء.
شمل شامل اللغة الفصحى والعامـية، ناقلا العبرة للناس بعد جهد فكري متواصل في جمع احداث العمل بشكل فني مميز يسهل على المشاهد الوصول الى لهدف الصحيح ، جامعا بذلك مدرسة من الفنانين والنجوم.
انتقد دائما الفن الهابط الذي نعيشه اليوم من ناحية القصة التي لا تعكس واقعنا، والكلمة المبتذلة التي تحرك الغرائز، والمسرح الهابط الذي لا يتحدث الا «من الزنار والنازل»، والاغنية التي اصبحت تعرياً وغرفة نوم، والدراما التي اعتمدت على اظهار الاجساد والاثواب المثيرة والخيانة الدائمة، وكان يقول: من المعيب ان يشاهد اطفالنا ما يقدم على الشاشات، رافضا تطويل الحلقات بهدف التجارة، ومعتبرا ان هذا الموضوع يؤدي الى التكرار وتضييع الفكرة وبالتالي الى سقوط العمل.
كان من عشاق وطنه لبنان، ويدعو دائما الى ضرورة التمسك بالانتماء لانه الحل الوحيد لقيامة الاوطان، رافضا الطائفية والمذهبية بكل اشكالها لانها تدمر وتفتت الاوطان، ومطالبا بدولة قانون وعدالة تحتضن كل شعبها ولا تميز فئة عن اخرى.

وتحدث المخرج ناجي شامل عن نشأة ومسيرة والده الفنان الراحل محمد شامل فقال: نشا محمد شامل في منطقة البسطة، وتوفيت والدته فاطمة حمد وكان عمره 6 اشهر، فهو لا يعرفها ولم يرَها، وقد رباه جده وجدته اهل والدته، فاحباه وحافظا عليه، وفي احد ايام الحرب العالمية الثانية سافرت جدته الى الشام، حيث وصلها خبر بأن محمد عضته كلبة، فما كان منها الا ان جاءت الى بيروت سيرا على الاقدام لانه لم تكن وقتذاك وسيلة النقل متوافرة وهذا يؤكد مدى محبتها لحفيدها، وتركت العضة اثرا على رجله حتى وفاته، اما خالة محمد فكانت قاسية جدا عليه، بل كانت تدلل ابنها شفيق حسن الذي هو شقيق محمد شامل من خالته شقيقة والدته، ومحمد كان يقرأ القرآن ويحضر معظم الندوات الى ان ختم القرآن الكريم، كما تمكن في اللغة العربية وكان في العشرينات، واصبح مديرا لمدرسة المقاصد في عين المريسة، وكان يعلم الاولاد اللغة العربية والقران والدين.
ـ مع عبد الرحمن مرعي ـ
وفي احد الايام تعرف الى الفنان عبد الرحمن مرعي فكتب اسكتشات «شامل ومرعي»، وقدماها في اذاعة «الشرق الادنى» قبل ان تصبح الاذاعة اللبنانية، وفي الوقت نفسه قدما مسرحية كوميدية اسمها «الكركون»، ونجحت بشكل كبير، وبعد وفاة مرعي بسبب مرض السكري حزن الوالد كثيرا على فراق رفيقه الفنان المبدع.
ـ ...ومع شوشو ـ
واكمل محمد شامل تعليمه، وفي احد الايام دخل الى مكتبه شاب ضعيف جدا جدا، وقال له: «انا حسن علاء الدين، ادعوك واتمنى ان تشاهد مسرحيتنا وبعد ان شاهدها محمد شامل لم تعجبه بتاتا، وبعد ايام دخل الى مكتبه مرة جديدة حسن علاء الدين يسأاله عن رأيه في المسرحية فقال له: هل تسمي ما قدم فنا ام هزة، اذهب يا بني «جوخك لم يكتمل»، فجاوبه علاء الدين: «انا وراك عشر سنين حتى اشتغل معك»، وبعد فترة ادخله في برنامج للاطفال، بعدها بدا يكتب له اسكتشات في الاذاعة منها: «شوشو بك في صوفر»، «يوميات شوشو بك»، «خلي بالك من شوش» وغيرها، بعدها فيلم سينمائي اسمه» شوشو والمليون»، بعدها اشتغل شوشو مع الراحل نزار ميقاتي.
ـ في التلفزيون ومهرجانات بعلبك ـ
اما في التلفزيون فكان اول عمل للوالد «يا مدير» ثم «نوادر جحا» وكرت السبحة، وقد تعرف الى بديعة الجرار وزكي ناصيف وغيرهما، وقرروا ان يفتتحوا مهرجانات بعلبك، في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، وقدموا وقتذاك صباح وكان عمرها 10 سنوات، كما قدم الاخوان الرحباني اسكتشات، وانطلقت مذاك المهرجانات في بعلبك، وكان متأثرا بالفنان الراحل يوسف وهبي منذ صغره، واسلوبه كان معروفا هو الاسلوب الشعبي والسهل الممتنع.
اما حياته العائلية فكانت مرحة جدا ولقب بابو البنات لاننا ولدان و8 بنات، وقد ربانا افضل تربية ولم نحتج لاحد، ولم يكن قاسيا بل بالعكس، ومعظم ايامه كان يقضيها في الكتابة، وعندما يكتب لا يستقبل احدا خوفا من هروب الفكرة التي يكتبها، وكان يتردد الى منزلنا الكبار امثال: نجاح سلام، فهد بلان، هيام يونس وغيرهم، وشوشو كان يحضر معه اسماعيل ياسين وحسن يوسف وسعاد حسني وعبد الباسط عبد الصمد وحسن فايق وعبد السلام النابلسي وغيرهم.
* كيف كان يرى محمد شامل الفن؟
- هناك فرق كبير بين ما كان يقدم في الماضي واليوم، ففي السابق كان الفن للفن وليس للتجارة، اليوم يلهثون وراء المادة فقط، اليوم اسأل عن المادة والتجارة وليس الفن، وكلهم نجوم، اما كل كتاباته فكانت تصدر من خلال كرسي خشبي ولساعات طويلة وحتى الصباح، وكان يسجل الحلقة في يوم واحد وكل شيء يصنع من الديكور لكي تشعر انك في مشهد خارجي، وليس هناك التكنولجيا الحديثة والسريعة التي تسهل عملية التصوير بل كان الجهد سيد الموقف، هو لم يؤسس شركة للانتاج بهدف المال، بل استمر يكتب والعرق يتصبب منه والتعب يأخذ منه الكثير، فالمسرح اليوم غير موجود بل الموجود هو نوع من التقليد وعملية تجارية، اما في الماضي فكان فنا بامتياز، وبالنسبة للتلفزيون اسوأ، فالعملية تعبئة الوقت وربح مادي لا سيما في جعل الحلقة تصبح 5 حلقات، والدراما لا يمكن ان تشاهدها، وعيب ما يقدم لان القصص لا تعكس الواقع بل معظمها يتمحور حول خيانة المرأة والرجل وكانه لم يعد هناك مشاكل او قضايا اجتماعية اواقتصادية يمكن طرحها، ومن المعيب ان يشاهد الاطفال مسلسلات اليوم، بالاضافة الى التكرار الحاصل والازمة الكبيرة بوجود الكتاب، واليوم لا يسألون عن الكتاب ونوع الكتابة وجودتها بل عن عدد الحلقات العارية التي يمكن ان توجد لتصديرها، وهناك مسلسلات لا يمكن ان تحضر، اما بالنسبة للاغنية فمعظمها هابط ولا يمتلك اللحن ولا الكلمة ولا الصوت، اما في السابق فكانت طربا مبنيا على الكلمة الجميلة واللحن المبدع والصوت الرائع حيث كان الوالد يسمع اغاني الكبار امثال: ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش وعبد الحليم وفيروز وصباح ووديع الصافي وغيرهم بقيت مراجعا للاغنية العربية.
* ما هو سبب افتراق محمد شامل عن شوشو؟
- بعد ان اصبح شوشو يمتلك اسما ومركزا فنيا، قال له الفنان الراحل نزار ميقاتي: انا سأعمل لك مسرحا يوميا، وهكذا حدث، وقدم له اعمالا جميلة و«كلاس» مثل (شوشو والعصافير، الدكتور شوشو وغيره)، ولكن من اجمل ما كتب لشوشو هو فارس يواكيم الذي كتب «اخ يا بلدنا» من النوع الشعبي الذي كان يكتبه الوالد خاصة «خيمة كركوز» وغيرها من النوع الشعبي، وفي احد الايام قدم مسرحية «عائلة ابو المجد» وكان معه ابو سليم وغيره من كبار الممثلين واخرجها محمد كريم، ونجحت بشكل كبير، ووقتذاك شوشو «اخد على خاطرو منه»، فقال له: هذه ليست مضاربة عليك فانت تعرض كل يوم الا يحق لنا ان نعرض؟، ولكن عندما كان شوشو يواجه اي مشكلة يلجأ الى الوالد لحلها فهو كان ياتي كل يوم اثنين الى منزلنا.
ـ نوادر حصلت ـ
{ في احد الايام دعي محمد شامل من قبل رئيس الحكومة الى افطار في شهر رمضان، وبعد تناول الافطار، وفجاة طلب منه رئيس الحكومة الترفيه عن الحضور، ولم يكن حاضرا لذلك، وبعد ان سلموه الميكروفون، قال: ساروي لكم كيف دخلت الى الكشاف، «كان عمري 8 سنوات، وكان عندي 3 عمات بسيطين جدا، وقبل العيد اشتريت بنطلون وطلع طويل، وطلبت من عماتي ان تقصر لي البنطلون، وعندما نمت، اجت الاولى وقصرت حوالي الشبر من البنطلون، واجت التانية نفس الشيء والثالتة نفس الشيء، وعندما استيقظت وجدته ابح شورت، فقررت الدخول الى الكشاف».
{ في احد الايام استدعاه رئيس الجمهورية بشارة الخوري الى القصر، وكانت مفاجأة للوالد الذي اخذته الافكار الى البعيد، وكان في القصر وزراء ونواب ورؤساء حكومة، وطلب منه الاجتماع معه منفردا، حيث تبادلا الاقوال والاراء والشعر، وعند موعد الغداء طلب الرئيس من الجميع ان يأكلو، واستمر في اجتماعه المتواضع مع محمد شامل، بعد ذلك انضما الى الطاولة، وهذا كان حدثا فريدا من رئيس للجمهورية في لبنان.
* كيف كان يرى محمد شامل الوضع اللبناني؟
- كان لديه 3 برامج اذاعية وهي: «عالماشي، كلمة ونص، اسمعوا يا ناس»، وكل حلقة مدتها 5 او10 دقائق، ومحور احد الحلقات كان عن لبنان الذي كان يعشقه، وقدم حلقات عديدة وطنية، واخرى اقتصادية وتربوية واجتماعية، لكن بطريقة مهذبة وباسلوب سجعي، وكان يأسف على الوضع الحاصل والمعقد لانه ضد الطائفية ولا يؤمن الا بالانتماء للبنان العربي.
ـ ناجي شامل ـ
ولدى سؤالنا عن نشأة ناجي وحياته الفنية الحالية قال: لقد تعلمت في عدة مدارس ومنها المقاصد، وثانوية رمل الظريف، وعندما بدأت اميل نحو الفن اعترض الوالد وقال لي : «لا اريد ان تجوع»، وتعلمت الموسيقى والعزف بطريقة السمع، وقدمت مسرحيات للاطفال، وأول مسرحية كان اسمها» كندرة من دهب» من كتابة الوالد وهي مقتبسة عن فصة سندريلا، وقمت بتلحين كل الاغاني فيها، وكانت من اخراج عمر ميقاتي وسينوغرافيا غازي قهوجي وطبعا من تمثيلي، ونجحت بشكل كبير، بعدها قدمت مسرحية «سرقوا القمر» من اخراجي وكان معي الراحل زياد مكوك والفنان علي الخليل، وكذلك نجحت، ثم كتبت مع عمر ميقاتي مسرحية «ساحة البياعين»، وعندما رآني الوالد انجح دعمني، وفي هذا الوقت درست ادارة الاعمال، وقدمت مسرحيات للاطفال في الخليج، وكل الاغاني في اعمالي للاطفال هي من تلحيني.
* كيف تقيم عملك مع خضر علاء الدين؟
- هذا اول عمل اشترك فيه للكبار، وكان من اخراج عمر ميقاتي، ولكن خضر لم يكن عنده عملية التسويق بل كان يعتمد على شباك التذاكر، ورغم ذلك استمررنا 3 اشهر ولكن بصعوبة، اما المسرحية الثانية فكانت من اخراجه وتمثيله وانتاجه، ولكن لم تستمر سوى16 يوما وتكلف بحدود 75 الف دولار وهنا قال: «لن اقدم اي عمل مسرحي اخر».
* ما هو جديدك؟
- حاليا انا مخرج في الاذاعة اللبنانية، واقوم بدبلجة الافلام الكرتونية والوثائقية والشخصية، واكتب للاذاعة، وحاليا احضر مسرحية للاطفال وسأقوم بتلحين الاغاني، لانني اعتبر ان الطفل بحاجة الى مشاهدة اعمال تخصه، وانا لا اؤيد المسرح الجوال، اما شقيقي يوسف فهو في السويد يقدم برنامجا لاذاعة «الشرق» اسمه «حط بالخرج».

محمد شامل الشامل

ولد الفنان والكاتب محمد شامل عام 1909، أمتلك عالماً غزيراً وأسلوباً متميزاً وبعداً عميقاً في الأدب الشعبي، وحقق ثورة في فن السرد الدرامي، فاستحق لقب «الأستاذ» مثل أولئك الروّاد: «نجيب الريحاني، بشارة واكيم، وجورج أبيض، ويوسف وهبي، إلى آخر عناقيد المبدعين الذين تركوا «بصمة» لن تغيب...
عرفه الجميع من خلال ابداعاته الفنية المتنوعة، ورحل عام 1999، بعد ان قدم اعمالا اذاعية وتلفزيونية وسينمائية عديدة نذكر بعضها وهو الاتي:
{ في التلفزيون
- يا مدير
- نوادر جحا
- دنيا الاطفال
- اشعب والكندي
- يا صبر ايوب
- عيلة الشوككلي
- الدنيا دولاب
- حي الموزاييك
- الحكواتي
- شارع العز
- العائلة السعيدة
- الدنيا هيك
{ في السينما
- يوم وظلام
- قلبان وجسد
- يا سلام عالحب
- شوشو والمليون
- ولدت من جديد
- القدر
{ في الاذاعية
- يا مدير
- فانوس جحا
- خطوات في الليل
- عالماشي
- شوية حكي
- اسمعوا يا ناس
- يا هادي
- هو وهي
- يوميات شوشو بك
- خلي بالك من شوشو
- شامل ومرعي

ناجي شامل

المخرج ناجي شامل قدم اعمالا عديدة خاصة للاطفال ونذكر منها:
مسرحيات للاطفال
- كندرة من ذهب
- سرقوا القمر
- ساحة البياعين
وشارك في اعمال تلفزيونية مع الفنان صلاح تيزاني والكاتب انطوان غندور وغيرهما.