قبل اشهر معدودة، التقى احد مسؤولي القوات اللبنانية «النافذين»، عن «سابق تصور وتصميم» وليس صدفة، مع وفد من حزب الله في مناسبة اجتماعية «حزينة»، تعمدت تلك الشخصية «التحرش» بوفد الحزب ثم جرى تبادل لاطراف الحديث، واوحى المسؤول القواتي يومها ان ثمة قراراً مركزياً لدى القوات بالانفتاح على «حارة حريك»، اقله «كسر» حاجز «الكلام» السائد بين الطرفين وتعزيز التواصل الذي كان ضيقا ويقتصر على تلاقي النواب في ساحة النجمة... تطور الموقف لاحقا مع انجاز تفاهم معراب مع التيار الوطني الحر، وزادت مساحة الاصدقاء المشتركين، وزاد اهتمام رئيس القوات سمير جعجع بفتح قنوات حوار جدية مع الحزب، وحاولت اكثر من شخصية «برتقالية» عملية «جس نبض» بين الطرفين للوصول الى قواسم مشتركة يمكن ان تكون قاعدة سليمة لانطلاق نقاش جدي بين الطرفين..
 طبعا لم يكن الطموح الوصول في نهاية المطاف الى تفاهم يشبه «ورقة النوايا» مع التيار الوطني الحر او اتفاق «مارمخائيل»، كما تقول اوساط بارزة مواكبة لهذه الاتصالات في 8آذار، وانما رسم قواعد جديدة لتنظيم الخلاف والوصول الى تفاهم الحد الادنى على الكثير من القضايا الداخلية التي يمكن الالتقاء حولها في «منتصف الطريق»... طبعا بقيت الامور معلقة دون ان تقفل «الابواب امام» احتمال حصول «نافذة» تحقق الاختراق المطلوب عندما يصبح المناخ مؤاتيا خصوصا القوات اللبنانية التي تحتاج الى الكثير من المفردات والمخارج لتبرير «استدارتها» بعد ان اثقلت ادبيادتها بالكثير من المفردات الايديولوجية المانعة لاي تفاهم ممكن مع حزب الله الذي يحتاج بدوره الى معطيات حسية من الطرف الاخر تؤكد جديته وتكشف حقيقة نواياه ازاء اهداف هذا الحوار وخلاصاته النهائية...
لكن وقبل دخول الطرفين في ادبيات النقاش حول جدوى الحوار من عدمه، ثمة من «همس» في «اذن» مسؤولي القوات اللبنانية حول قضية محورية لا يجب اغفالها لنجاح اي حوار محتمل مع حزب الله، ثمة ملف انساني عالق في «ذمة القوات» منذ زمن الحرب الاهلية ويحتاج الى توضيح لازالة الالتباسات حوله، اختفاء الدبلوماسيين الايرانيين الاربعة على حاجز البربارة في تموز عام 1982، وبقاء مصيرهم مجهولاحتى اليوم، يبقى حجر عثرة امام اي تقدم في العلاقة بين الجانبيين، ثمة واجب اخلاقي تقول الاوساط، لا يمكن للحزب ان يتجاوزه ازاء قضية الدبلوماسيين.. فهمت القوات اللبنانية «الرسالة» لكن كان ثمة تردد في التعامل مع هذه القضية، ثمة محاذير يجب مراعاتها لانها قد تتسبب بادانة للقوات اللبنانية وترتب عليها مسؤوليات قانونية قبل المسؤولية الاخلاقية، لكن هذا لا يمنع من تقديم اجابات حول الكثير من الاسئلة المبهمة لاصحاب القضية، فجاء من اقترح على قيادة القوات ترتيب موعد لوفد قواتي لزيارة السفارة الايرانية في بيروت، لوضع هذا الملف على «الطاولة» وتقديم ما لديهم من معطيات حول هذا الملف، علّ النقاش يؤدي الى تسوية ما، تنهي الجدل المستمر حول مصير الدبلوماسيين، وافقت «معراب» في المبدأ على الخطوة واشترطت السرية تجنبا لاي حرج سياسي، جاءت الموافقة على الامر وتم تحديد موعد للقاء السفير الايراني في بيروت، لكن ودون سابق انذار، ودون تقديم اي تبريرات، تلقى «الوسيط» اتصالا ابلغه فيه احد مسؤولي القوات المعنيين بهذا الملف الغاء الزيارة لاسباب بقيت مجهولة، لكن ما فهمه «الوسيط» ان الظروف السياسية لم تنضج بعد للاقدام على هذه الخطوة، وبعد «تفكير» عميق وجلسات مطولة في معراب مع الحلقة الضيقة المحيطة برئيس القوات اللبنانية اتخذ القرار بتاجيل الخطوة وليس الغائها، اي تعليق الامر الى حين تصبح المناخات مناسبة للاقدام على خطوة مماثلة، وهكذا كان...
هذه الرواية مقدمة ضرورية، برأي تلك الاوساط، لفهم طبيعة زيارة «التعزية» التي قام بها وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي باسم رئيس القوات اللبنانية الى السفارة الايرانية في بيروت، «الحكيم» يحتاج الى «كسر» الجليد مع الايرانيين كمقدمة لفتح «قنوات» حوار جدية مع هذا المحور الصاعد في المنطقة، وهو اليوم باشد الحاجة لتطوير استراتيجته للخروج من حالة التقوقع التي كادت القوات اللبنانية تدفع ثمنها غاليا لولا استلحاق الموقف بالاصطفاف وراء دعم الرئيس ميشال عون للرئاسة الاولى...فبعد سنوات من حمل «صليب» 14 آذار وتحمل وزر ضعف شخصية الرئيس الحريري القيادية، والذهاب بخيار «انتحاري» وراء القوى الاقليمية والدولية الداعمة، اكتشف جعجع متأخرا انه سيكون «الضحية» مرة جديدة، تم تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام دون الرجوع الى رأيه، ودفعت القوات اثمان كبيرة جراء بقائها خارج السلطة، وعانت من ظلم «ذوي القربى»، وتحملت «وصبرت» واستمرت في لعب دور «رأس حربة» مشروع يتلاشى تخلى عنه اصحابه، ولكن لم تكن هناك اي خيارات بديلة.. حتى جاء اليوم «المشؤوم» حين باغت الحريري جعجع وتبنى ترشيح الوزير سليمان فرنجية وتفاهم معه دون الاخذ برأيه «استئناسا»، بل عرف «الحكيم» «بالطبخة» من وسائل الاعلام، عندها ادرك ان دور «ام الصبي» بات مرادفا «للانتحار» السياسي، غادر «المركب» قبل ان يغرق وصعد الى «سفينة النجاة» التي يقودها حزب الله، تبنى ترشيح الجنرال للرئاسة وبدأ مسارا سياسيا براغماتيا يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة، خصوصا ان مشروع «حلفاءه» في المنطقة يتهاوى، والرهان على سقوط سوريا بات من الماضي، الاتكال على الاميركيين تحول الى «سراب»، والركون الى الدعم اللامحدود من الخليج وفي مقدمتهم السعودية محفوف بالمخاطر، فالمملكة لديها من الهموم والمشاكل ما يجعل لبنان في قعر الاولويات لديها، ولن يستطيع هو ان يلعب دور الرئيس الحريري او ان يكون في مكانته السابقة في المملكة، وقد لمس كيفية تعامل القيادة السعودية مع ابن الشهيد رفيق الحريري، وبات مدركا ان لا «خيمة» فوق رأس احد عندما تنتفي الحاجة اليه او لا يعود مفيدا لقيادة سعودية قررت الانسحاب من الساحة اللبنانية.. فكان لا بد من البحث عن بدائل للبقاء على قيد «الحياة سياسيا»، وحجز مكان في اي تسويات مقبلة في المنطقة، سيدفع ثمنها الطرف الاضعف على «الطاولة»، ومن هنا كان القرار الحاسم بالصعود الى «باص» التسوية الداخلية لنيل «لقب» «حليف الحليف» علّ في ذلك ضمانة للمستقبل.
وفي هذا السياق، تعتقد تلك الاوساط ان القوات اللبنانية جادة في فتح قنوات اتصال مع حزب الله، ولكنها تخشى التسرع، وتتهيب الموقف.. ولذلك قال جعجع مؤخرا «ان لا شيء جدياً بعد لانه لا يحب ان يتسلى وكذلك السيد نصرالله»، يرى «الحكيم» ان ما تحقق من استعادة للتوازن الداخلي عبر حصة القوات في الحكومة، ودورها في انجاز الاستحقاق الرئاسي، كاف في المرحلة الاولى، ويمكن الاستثمار به قبل الانتقال الى المرحلة التالية، يدرك جيدا ان حزب الله في موقع متقدم عليه، ويفاوض من موقع قوة، الحزب لا يحتاج «القوات» بشيء في ظل تحالفه مع التيار الوطني الحر، لديه ما يكفي من «مظلة» مسيحية تمنحه هامشا كبيرا لفرض شروط اي تسوية في العلاقة الثنائية معها، حزب الله يرى في «مد» يد القوات للحوار معه انتصارا لخياراته الداخلية والخارجية، ليس مستعجلا بالطبع لمنح القوات «صك براءة» على ماضيها المثقل «بالخطايا»، ولذلك يتقدم «الحكيم» بحذر باحثا عن اثمان لا يجد انه قادر على تحصيلها، يتحرك ببطء، ويدرك جيدا ان زيارة وزيره الى السفارة الايرانية لن تعوض الموعد «الملغى»، وتبقى خطوة ناقصة ودون مفاعيل جدية، ما لم تقدم «معراب» ما يفيد في «اماطة اللثام» عن قضية اختفاء الدبلوماسيين الايرانيين الاربعة..فهل باتت القوات اللبنانية مستعدة «لاغلاق» هذا الملف؟  الجواب عند «الحكيم»...