في الحلقة الثانية من سلسلة الحوارات مع رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمود، في سياق الملف الذي تنشره «الديار» تباعا للاضاءة على حقيقة الحدث التاريخي الذي أدى الى نشوء الفكر التكفيري وحقيقة الرعاية الاستثنائية التي حظي بها هذا الفكر التدميري في دوائر الاستخبارات العالمية، قبيل افلاته من جحوره، وتأمين سبل نموه واستقطاباته واستمراريته ورفده بكل انواع الدعم الدولي والاقليمي في كل ما يحتاجه من مقومات للحياة قبيل الثورات - الانقلابات التي شهدتها عدد من الدول العربية مطلع العقد الحالي، والتي باركها الغرب علانية واطلق عليها ثورات «الربيع العربي» قبل ان ترتد بمعظمها لتنقلب على نفسها وعلى داعميها وينهار بعضها بفعل افتضاح حقائق استخداماتها الاستخبارية من قبل المحاور المعادية للامة، وممارساتها الفتنوية المشبوهة، فيما يصارع بعضها الاخر للبقاء ولو مجرد رقم معين في وسط الانواء والعواصف الاقليمية والدولية.
في الحلقة الثانية يتابع الشيخ ماهر حمود سرده التاريخي لظروف نشأة التيار التكفيري داخل السجن اشتقاقا من البذرة التي بذرها المنظر الاول لحركة الاخون المسلمين سيد قطب في السجن المصري إبان حكم العدو الاول لـ«الاخوان» وهو الرئيس جمال عبد الناصر، وهي بذور تلقفها رفيقه مصطفى  شكري داخل السجن وانتقى منها الجوانب الاكثر تطرفا وتشددا واعاد صياغتها وطرحها بما يكفر كل الناس مسلمين وغير مسلمين، ويبيح دماءهم واعراضهم واموالهم، وهو الامر الذي يرده الشيخ حمود الى اسباب كثيرة اولها ان ظاهرة الاسلاميين أساساً ظهرت كبديل يملي الفراغ في الساحة السياسية لان فكرة القومية العربية وعدتنا بتحرير فلسطين وبالوحدة العربية وبالاشتراكية وبالعدالة الاجتماعية وقد فشلت فشلاً ذريعاً، وبفشلها افسحت مجالاً الى أن يأتي الاسلاميون كبديل مقبول لهم.
وثاني هذه الاسباب كان الظلم الذي مورس من قبل هذه التيارات القومية في معظم سجون الدول العربية تقريباً. وأول نبتة تكفيرية أظهرها مصطفى شكري الذي كان أحد سجناء الأخوان المسلمين في مصر وخلال وجوده في السجون بدأت تتشكل عنده الافكار القطبية بشكلها التكفيري وتمت مناقشته في داخل السجون من قبل أركان الأخوان المسلمين وجمعت هذه الحوارات في كتاب طبع بعد خروجه من السجون طبعا في أيام السادات يعني بعد عام 1970 تحت عنوان «دعاة لا قضاة» ونسب الكتاب الى حسن الهضيبي المرشد العام للأخوان المسلمين في حينه، فيما اشترك الجميع في هذه الحوارات التي تشكلت منها مادة الكتاب، وبغض النظر عن أي أخطاء أخرى نتهم بها الاخوان المسلمين لكن هذا الكتاب شهادة لهم بأنهم حاولوا الوقوف في وجه التكفير لكن هذا لم ينفع، وخرج شكري مصطفى يعتبر المجتمع كافراً ويعتبر أموال المجتمع حراماً ويعتبر الاختلاط بالكفار حراماً فسمى نفسه ومن معه «الجمعية الإسلامية» لكن الإعلام سماه «التكفير والهجرة» لأنه كفر المجتمع وهجره.
* هل دعا شكري الى هجرة فعلية او مارسها؟
ـ نعم، لقد مكث مع جماعته في أماكن بعيدة، ولم يكونوا يسمحوا لأنفسهم الا بتناول ما يربونه من مواشي وطيور وعاشوا حياة خاصة بهم مبنية على تكفير المجتمع ثم مارسوا دعوتهم وكان أول إنجاز لهم للأسف الشديد قتل علامة مصري اسمه الشيخ حسين الذهبي وهو عالم محترم جداً عنده عدة كتب واهمها «التفسير والمفسرون» هذا العلامة تحدث عنهم بسوء وقال أنهم خوارج العصر، فخطفوه وقتلوه بطلقةٍ في عينيه لكي يقولوا أنه دجال اي هو اشبه بالمسيح الدجال او الأعور الدجال وما الى ذلك. وكانت هذه بدايتهم الاجرامية سنة 1976.
اذا حللنا شخصية مصطفى شكري ومساره سنجد في اسباب ظهوره بقوة على الساحة في حينه كل ما ذكرناه من تفسير حرفي للقرآن، وفشل دعاة القومية وحملة الشعارات الكبرى وغياب المشاريع الأخرى وفشل الفكر الشيوعي وسقوط الماركسية. وبالتالي هذه التجربة اذا تمت دراستها ستكون نموذجاً اول لهذا التكفير.
والتجربة الأخرى في هذا السياق كانت تجربة عبدالله عزام الذي كان يرغب في أن يقاتل اليهود فعلا  لكن لم تسمح له الظروف المعقدة للوصول، لم تكن تسمح الحركات الفلسطينية واليسارية بالذات أن تعطي مجالاً حقيقياً للشباب المتدين في أن يخوضوا معارك وهذا حدث فعلا قبل خروج المقاومة الفلسطينية من الاردن، وفي لبنان عشنا ما يشبه ذلك ، هذه فكرة ايضا اذا اخذناها للتحليل يمكن ان تعطيك فكرة ، عندها ارتأى الرجل ان يهاجر الى افغانستان وقال نحارب هناك ونقيم دولة اسلامية وبعدها تدعمنا ونأتي الى فلسطين، هذه كانت فكرته. ولكن هناك التحقت به مجموعة مصريين من أيمن الظواهري وغيره، وبالتالي وتجاوزوا هذا الامر، وقتل عزام على ايديهم من دون شك - على الأقل هذا ما يقوله اهله وزوجته وأولاده - وقتل معه اثنان من أولاده ، قتلوه لانهم رأوا أن عبدالله عزام كان مؤثراً جدا وكان همه الى حد ما أن افغانستان مرحلة وبعدها فلسطين بينما كانت أفكارهم متطرفة أكثر ومتأثرة بالوهابية أكثر ، فلم يستطيعوا أن ينسجموا فحكموا عليه بالقتل، هنا أيضاً إذا درست هذه الفكرة يمكن أن تعطيك ضوءا لماذا وجد متطرفون هناك... في النهاية لأنهم منعوا بشكل أو بآخر عن ممارسة الجهاد ضد اسرائيل».
* ماذا عن معتقدات التكفيريين في ازاء الاسئلة البسيطة التي تطرح نفسها من قبيل ان الله تعالى هو من خلق البشر واذا كان الرب خلق هؤلاء ليحاسبوا البشر ويقتلونهم ويكفرونهم ويدينونهم، فلماذا جعل الحساب يوم القيامة ولماذا خلق النار والجنة وقال: (إن هديناه النجدين إما شاكرا وإما كفورا ) والتي تعني في حقيقتها انه ضمن حتى حرية الكفر لمن اراد ان يكفر، ولو كان ارسل مجموعة لتحاسب البشر عنه على الارض، فما هو الداعي لحساب الآخرة إذن؟
ـ اسباب ذلك الى حقيقة التفسير المشوه للقرآن لأنه يأخذ عموم الموضوع «فاضربوهم» او «فأقتلوهم حيث سقفتموهم»...
* في هذه الايات الضمير يعود لمن، هذا الامر يوجه لمن؟ اي من هو الذي يقتل او يضرب او من هو المخول بذلك، ومن هو الديان على البشر؟
ـ في عموم المشهور على لسان علماء الأمة، أنه هذا أولاً واجب الحاكم صاحب الشروط الحقيقة يعني صاحب بيعة سليمة. وهذا أيضاً له ايضا ضوابط، أهمها إدرأوا الحدود للشبهات. يعني يفتش عن اسباب بالتعبير المعاصر تخفيفية للعفو.
طبعاً هذا من دون شك خطأ في التفسير ويعتبر الأنسان نفسه بأنه معني بالخطاب القرآني فأقتلوهم حيث وجدتموهم مثلاً دون الأخذ بعين الاعتبار من هو المخاطب وايضاً الشروط التي يضبط بها الحاكم. الحاكم مضبوط بالشهود وبالقضاة ، فصل السلطات موجود في القرآن ، القاضي شيء والحاكم شيء. الشبهات كما قلنا، قانون العفو، إقامة العدل، يعني واذا كنت لا أستطيع كحاكم مثلاً على اقامة العدل... فهذا ليس تفصيلا... وكل هذا يضع الامور تحت عنوان خطأ أو إجتزاء في تفسير الايات الكريمة للقرآن الكريم.
( في الحلقة المقبلة: الفكر الوهابي يحض على قتل كل المخالفين له)..