بمناسبة إستمرار عائلة الجميّل بمحاكمة حبيب الشرتوني غيابياً واستصدار قرار غير قانوني بحقه نصَّ على تجريده من أملاكه ومن حقوقه المدنية قبل صدور الحكم النهائي، وردَ إلى بريدنا الالكتروني مقالاً منه، نكتفي بنشره دون تبنّي ما جاء فيه.

 آل الجميّل

لطالما أُثير في أحاديث الناس موضوع أصل آل الجميل ومكان نشوئهم.
ربما لأنّ الناس لم تلاحظ من الأساس أن أصولهم لبنانية، وربما لأنهم شكّلوا في مرحلة الحرب الأهلية مادةَ بحثٍ دسمة عندما طرحوا مسلّمات وطنية غير قابلة للجدل على طاولة البحث، وعندما شاركوا في صنع الأزمات وإدارتها وفي مقدّمها الطائفية والأهلية، وعندما لم يلتزموا ببعض المعايير الوطنية، ما دفعهم للتعامل فترة مديدة مع إسرائيل.
وربما أُثير الموضوع من باب الفضول، كما حصل وبشكلٍ طبيعي مع العديد من العائلات اللبنانية، لا سيما العائلات السياسية أو ذات الرتب والوجاهة كالأمراء والمقدمين والشيوخ، إنما أُثير معهم أو عنهم أكثر من غيرهم، بسبب عدم تقديمهم أي إجابات واضحة للمستفسرين عن هذا الشأن، ومنه راحَ البعض يجتهدُ قائلاً:
إنّ أصولهم تعود إلى قرية عين الخروبة، ليس إلاّ لأنّ تعدادهم هناك هو الأكبر من تعدادهم في أيّ مكان آخر. أو راحَ البعضُ الثاني يجيبُ على البعضِ الأول أنّ هذا الطرح ليس صحيحاً لأنّ ذوي بكفيّا لا يقربون ذوي عين الخروبة أو سواها من القرى في المتن لأنهم شيوخ والأُخَر من الشعب، وأنهم قدِموا من بلاد جبيل أو سواها من مناطق الشمال، على غرار بقية العائلات المارونية التي نزحت جنوباً من أرض النسَّاك وديار ما مارون.
وهناك أيضاً من اجتهدَ وقال: إن أصولهم تعودُ إلى قبيلة الأقحاح أو شمَّر أو غيرها من القبائل العربية أو تعودُ إلى مصر، فهم مصريون وأقباط في الأساس.
وقد اضطُرّ الشيخ بيار الجدّ للإجابة في إحدى حلقات تلفزيون لبنان قديماً على سؤال من هذا النوع يستفسرُه إذا كان من أصول مصرية، بسبب لهجته أيضاً، قائلاً:
إنه مضى إلى مصر فقط بضعة أيام ريثما عاد في « فلوكة « هرباً من نيرِ الانتداب الفرنسي. بعدما سار في مظاهراتٍ كتائبية مطالبة بالاستقلال، دون أن يوضّح أصوله أو يجيب على سؤال المحاور إجابةً كاملة.
وبصرف النظر عن مسألة مقاومة الانتداب وحيثياتها، لأنّ جيلَ وقتذاك يعلمُ تمام العلم أن الفرنسيين هم الذين شجعوا على تأسيس حزب الكتائب في إطار تأسيس لبنان الكبير كوطنٍ ذي غالبية مسيحية وكاثوليكية تحديداً، وقد تولّى مهمة تأسيس الكتائب مجموعةٌ إلى جانب الشيخ بيار من خريجي اليسوعية أو الثقافة الفرنسية ومنها شارل الحلو ووالد صولانج توتونجي، وهناك أشرطة وثائقية ومقابلات بُثّت في هذا الصدد.
فإنّ بحثنا هنا يتمحور حول موضوع أصول آل الجميّل غير الواضحة، ليس لأننا نهتمّ بالبحث عن الأصول، وليس لأن الاهتمام بمعرفة أصول الإنسان شأنٌ معيب، بل لأن هذه الأصول مبهمة، ولم يسعَ آلُ الجميل للإجابة على السؤال الدائر حولها بوضوح ولو لمرة واحدة على الأقل حتى الآن، ولم يسعَ بالتالي أحدٌ منهم للتعليق على أيّ اجتهاد في هذا المجال.
وبما أنه لا يمكن وبكل بساطة الإجابة على سؤال كهذا، بعدما شغلَ فضول أو عقول الكثيرين، لتعلُّقِه بالماضي فيما أكثر الناس منشغلة بالحاضر وبالمستقبل.
ولأنّ العائلات اللبنانية تجهلُ وبشكلٍ عام أصولها لأبعد من حفنةِ قرون، لكنّ أفراداً منها يجيبون عادةً على السؤال، الذي تتجنب قلةٌ قليلة من العائلات مجهولة الأصول الإجابة عليه.
أردتُ هنا وبعد سنوات عديدة على تكويني فكرة واضحة عن أصول آل الجميل، إشراك قرّائي بتحليل معلوماتي.
ومنه أوضح التالي:
إنّ آل الجميّل هم عائلة واحدة - حسبما يقولونه بأنفسهم - ومن أصولٍ واحدة بالرغم من اختلاف الألقاب بينها، طالما أن فرعاً منها اكتسبَ لقبَ المشيخة فيما بقية الفروع هي من عامة الناس.
وقد جاء في كتاب تاريخ لبنان الذي درستُه لمّا كنت على مقاعد الدراسة ما فحواه:
أن هناك عائلات لبنانية استطاعت في مراحل لاحقة أي متأخرة عما سبقها من المراحل
(وآخرها كانت المرحلة العثمانية التي مُنحت خلالها معظم رتب النبلاء) من اكتساب رتبها النبيلة ومنها آل الجميل الذين أمسوا شيوخاً، بينما المعروف هو أنهم لم يُمنحوا هذه الرتبة في زمن الانتداب. ما يعني أن لقب المشيخة لم يُعطَ لعائلة الجميّل من أحد السلاطين أو الباشوات المعروفين، على غرار منح الألقاب لعائلات كثيرة في الحقبة العثمانية، ناهيك عما اكتسبته هذه العائلات من تلك الرتب قبل المرحلة العثمانية أيضاً.
وهنا يُطرحُ السؤال البديهي: كيف أصبحوا شيوخاً ومتى؟!
يكمنُ الجواب عندي في أنهم كانوا شيوخاً قديماً على قبيلتهم - إذاً عرباً - قبل أن ينزلوا ويحلّوا في ربوع لبنان، في فترة قريبة من حلول السلطنة العثمانية، أي ما بين أواخر القرن الخامس عشر ومطلِع السادس عشر، عندما لزمَ قبيلتهم الكبيرة عددياً بضع سنوات لتغادر موطنها الأساس على دفعات وتنتقل إلى لبنان.
(جاء على لسان أمين الجميّل عن عائلته في شريط وثائقي فرنسي وبعد تدوين هذه السطور بفترة أن عائلة الجميّل بنت منزل بكفيا وحلّت فيها بالعام  1545).
(ثمّ عاد وذكر ولأول مرة روايةً عن أصولهم خلال لقاء أجراه معه تلفزيون الجديد ضمن برنامج « سيّد القصر « بتاريخ 3/6/2014 جاء فيها: أن ظهورهم بدأ في تلك السنة 1545 في بكفيا، وأن أصولهم قريشية وهم من حدود السعودية واليمن وأن الأمير حيدر منحهَم لقب المشيخة في العام 1710 بعد معركة عين دارا).
ما يؤكّد صحة الاستنتاج على أنهم جاؤوا إلى لبنان في ذاك الزمان الفاصل بين المرحلة ما قبل العثمانية وما بعدها، ولزمهم فترة زمنية إضافية ليستقروا في بكفيّا. وفرعُهم الشيخ هذا كبقية الفروع الوجيهة في بقية العائلات اللبنانية وغير اللبنانية حول العالم، يتألّف من أقلية استطاعت أن تكون في واجهة وصدارة العائلة أو القبيلة.
أي هناك غالباً عائلات كبيرة عددياً، وفرعٌ واحدٌ منها غدا شيخاً أو بيكاً أو أميراً، بسبب قدرتِه المميزة عن عامّة عائلته، وسعيِه لنيل ذاك اللقب من خلال العمل في الحقل العام واكتساب النفوذ وجمع المال، وليست تواريخ هذه الأفرع كلّها مشرفة في طريقة نيل هذه الرتب الفخرية والحفاظ عليها، عندما طغت عليها فضائح عدة أو مظالم ومساوئ ذهبت مع التاريخ ولم تعد بائنة أو معروفة، إلاّ إذا حصلت في زماننا وكُشف حيّزٌ منها.
فآل الجميّل إذاً وحتى لا أطيل الشرحَ هم في الأصل شيوخاً ومن العامّة في آن.
أما أين وكيف أصبح فرعٌ منهم شيخاً، وهل هم في الحقيقة عائلة ذي أصول واحدة أينما وجدوا في لبنان أو في بلاد العرب؟ فهذه الأسئلة تحتاجُ إلى فحصٍ لخلايا الحمض النووي
 D.N.A  حتى تؤكَّد الأجوبة التي وجدتها لها ويتأكّد صحة الكلام ويُزال الشكّ لصالح اليقين.
وفيما يعلم العرب أن عائلات لا تُعدّ ولا تُحصى تنسبُ نفسَها إلى قريش، ما أمسى تقليداً شائعاً، وكأن تعداد تلك القبيلة فاق الملايين ومنذ القديم.
وفيما لم تتضح ماهية العلاقة التي أثمرت عن منحِ أحد الأمراء الشهابيين لقب المشيخة لهذه العائلة، عقب معركة داخلية حصلت في العام 1711 بين الملّة الدرزية نفسِها، إذ لا خدمة جلّية أو وطنية ظاهرة قُدّمت منهم له مقابل ذلك، وفيما بدّل الشهابيون بدورهم انتماءاتهم المذهبية، ما سهّل ربما تبادل الخدمات أو هذا المنح أو القبول، يبقى قوله في أن أصولهم تعود إلى حدود اليمن والسعودية تأكيداً إضافياً على صحة تحليلنا وإن اعترى أقواله عموماً الكذب المعتاد عند أمين لا بل عند أغلب أفراد عائلة الجميّل السياسية.
وقبل الاسترسال في تحليل تاريخهم هذا سوف أوردُ مقطعاً أو وثيقةً متداولة منذ سنوات في مواقع معلوماتية عدّة.

 وثيقة متداولة منذ سنوات في عدد من المواقع المعلوماتية عن لسان الشيخ محسن الباشا العواصي الجربا بالرياض  

انه وفي عام 1958م وفي آخر عهد الرئيس اللبناني فؤاد شهاب كان هناك مؤامرة أو اتفاق بين كميل نمر شمعون مع الحكومة الأردنية حول انقلابٍ يقوم به شمعون على حكم فؤاد شهاب ليستلم من بعده الرئاسة ..
وكان في تلك الأثناء الشيخ فنر الفيصل الجربا مصطافاً في لبنان، وإذ بالدرك اللبناني يباغت فجأةً الشيخ بالإعتقال بتهمة الوساطة بين كميل نمر شمعون وما بين الملك حسين بن طلال على التخطيط لإنقلابٍ على الحكم في لبنان بقيادة شمعون والذي صار رئيساً للبنان بعد فؤاد شهاب .
وقد تبين فيما بعد أن القضية عبارة عن وشايةٍ مغرضة والشيخ فنر الفيصل منها براء!!
وبالفترة التي كان فيها الشيخ فنرالجربا بالسجن في لبنان كانت المساعي لم تتوقف من قبل الجربان لإطلاق سراحه؛ وكانت بعض المساعي من خلال الشيخ بيير الجميِّل رئيس الكتائب اللبنانية في لبنان وقتذاك.
ولما سمع الشيخ بيير الجميّل أن المعتقل من شيوخ شمَّر، اندفع بكل حرارة ليقدّم شتى أنواع المساعدات لرحامة الشيخ الباشا العواصي الجربا وللشيخ ميزر عبد المحسن العبد الكريم الجربا من أجل إطلاق سراح الشيخ فنر الفيصل الجربا.
والمفاجأة التي فوجىء بها شيوخ الجربا هو اعتراف الشيخ بيير أنه من الضياغم ومن سلالة شيوخ من شمر والقصة قديمة، طويلة وذات شجون!!
المهم هو أن المذكور كان وراء الإفراج عن الشيخ فنر الجربا بحكم القرابة وصلة الدم وجذوره القديمة التي تربطه بقبيلة شمر وبالتحديد مع الضياغم من عبدة (هذا حسب تعبير الشيخ بيير)  انتهى كلام الشيخ محسن الباشا .
هذه القصة وما تحمل فيها من خبرٍ قد يكون غريباً عن كثيرٍ من الناس! وهو أن آل جميّل يعودون بنسبهم الى شمّر، أنا لم أستغرب منه مطلقاً، حيث إنه يلتقي ورواياتٍ ثلاثة ومن ثلاثة مصادر أنا سمعتها وأنقلها لكم بدوري كما وردت ورُويت:
1) إحدى الروايات عن لسان الشيخ ماجد بن عقاب إبن عجل من شيوخ اللّحيا في عام 1992م وفي مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، وأنا سمعتها بأذني منه.
حيث يقول الشيخ بأن آل جميّل والذين منهم الرئيسين أمين وبشير نجلا الشيخ بيير الجميّل من عبدة ومن الضياغم.
2) رواية أخرى عن لسان الشيخ اسماعيل الدندشي في قرية عيناتا من قضاء تلكلخ بسوريا يقصّها عن لسان القايد عن أبيه سعيد آغا الكنج الدندشي وعن ومن فم الشيخ عبدالله آغا الكنج الدندشي بأن آل الجميّل من الدنادشة من الضياغم من عبدة. وهذه كانت في عام 1995م. كذلك من فمه وبأذني شخصياً.
3) الرواية الثالثة عن لسان أحمد بن رياض النايف الدندشي الضيغمي وأتى بها عن لسان عميد متقاعد من شمّر بالجيش الكويتي التقى به في دمشق بسوريا لا يستحضرني اسمه الآن بأن آل الجميّل من عبدة من الضياغم ...
إخواني الكرام...
قد يستغرب القارىء من هذه القرابة اليوم!!
فأنا أقول لكم إن النسب لا علاقة له بالملة والدين والمذهب مطلقاً!! فهذه تعود الى الظروف البيئية التي لها الدور الكبير في تغيير المذهب؛ كما قد تكون هناك ظروفٌ سياسية واجتماعية وقبلية متنوعة وكثيرة فرضت نفسها على بيتٍ من البيوت في أن يلجأ بل ليفر من واقعٍ يشكل عليه خطراً ما!! فيتم ما ذكرناه. والله أعلم
المعذرة على الإطال .
أخوكم: طير شلوى

المقطع التالي والأخير من الوثيقة يطرح مفارقة تصبُّ في الإطار الذي ذكرت ليس الاّ، لأن المقصود بتغيير الدين وفق الظروف البيئية وعدم تبيان النسب إلا بالمصادفة وفي حادث ما، والخشية من الخطر المجهول المصدر تدلّ كعوامل على صحة ما سأضيفُه بعد حين.

فأنا أقول لكم إن النسب لا علاقة له بالملة والدين والمذهب مطلقاً!! فهذه تعود الى الظروف البيئية التي لها الدور الكبير في تغيير المذهب؛ كما قد تكون هناك ظروفٌ سياسية واجتماعية وقبلية متنوعة وكثيرة فرضت نفسها على بيتٍ من البيوت في أن يلجأ بل ليفر من واقعٍ يشكل عليه خطراً ما!! فيتم ما ذكرناه. والله أعلم  

أعود لأقول إنني اخترتُ هذه الوثيقة وأضفتُها ليس لأهميتها بحدّ ذاتها، كون البعض سوف يشكك حتماً بها، بل لأدلَّ على مسألة واحدة، وهي أن الشيخ بيار الجدّ وبالرغم من تجنّبه الدائم الخوض في الحديث عن أصولِه أو أصول عائلته، تحدّث في أكثر من زمان ومكان عن انتمائه إلى أصولٍ عربية، لكن ضبابيّة.
وهذا ما يعرفُه المحيطون به أو الذين التقوه وتحدّثوا معه في هذا الشأن، ما يبيِّن عدم رغبته توضيح تلك الأصول، وإلا فمن الذي يوعزُ أصوله إلى أكثر من قبيلة أو فرع قبيلة أو بطن أو ما شابه؟!
فلو جهلَ المرءُ أصولَ عائلته لاكتفى بقول ذلك.
ومن المعروف عنه أنه سجّل في أكثر من مناسبة - وخلافاً لنكرانه عموماً حتى في بعض وسائل الإعلام انتماءه العربي الموازي بالمفهوم الانعزالي الانتماء إلى الإسلام - اندفاعه نحو التأكيد على أصوله العربية وافتخاره بذلك، فيما لم يذكر بدقة القبيلة التي تحدّر منها بل ذكر النسب إلى قبائل العرب عموماً.
أما أن ينسبَ نفسه - في هذه الوثيقة إذا صحّت - لأحد بطون إحدى أكبر القبائل العربية عدداً وانتشاراً «عبدة ضياغم شمّر» فيما ينكر في العادة انتماءه للعروبة بحدّ ذاتها فهو أمر مثير للريبة.
وبعد مدخل البحث الذي بلغَ نصفَ صفحاته، سوف أسردُ وببساطة ما لديّ.
هم على حدّ علمي متحدّرون من أصولٍ يمنيّة ومن قبيلة يهودية سكنت وما زالت تسكنُ حتى يومنا هذا ولاية تعز، فيما تحوّل أفرادُها هناك إلى دين الإسلام، وهم بالتالي في فرع لبنان من القبائل اليهودية التي تنصّرت للمسيحية وتحوّلت عن قناعة إلى دين المسيح، لكن مكثت نفسيتُها يهودية وخصالُها هكذا وسلوكها يوضح كل ذلك.
لا أنكرُ بالمقابل تحولّهم إلى الدين المسيحي كالكثير من العائلات اليهودية الأصل، والعارفون بالدين المسيحي يعلمون أن المسيح جاء بعهده الجديد ليتّبعه أيضاً المنتمون إلى العهد اليهودي القديم الذي سبق المسيحية، إنما ما أشيرُ إليه هو احتفاظهم بذهنيتهم اليهودية الضيّقة.
فمن صفات آل الجميل اليهودية التي مكثت في مورثاتهم:
أنهم لا يجدون أي عوائق في التعامل مع إسرائيل أو ذكرها أو الارتياح لها، وهذا حتى يومنا الحالي، بالرغم من انتفاء سبب التعامل مع إسرائيل بعد وقف الحرب وبعَيد تبريراتهم عن نشوء تلك العلاقة بسبب حاجتهم إلى السلاح والذخائر.
فيما علاقتهم بإسرائيل تعود إلى خمسينيات القرن العشرين وهناك وثائق عدّة ذات دلالة منشورة بهذا الصدد، كما حصل أن عشتُ مغامرةً في عمرٍ مبكّر جعلتني أكتشفُ بالعين المجرّدة تلك العلاقة التي كادت تودي بحياتي وقتها.
فمن المنطق إذاً فهم القضية على أساس أن أصولَهم اليهودية ونفسيتَهم الوراثية لن تعيقهم أو توقفهم عن هذا التعامل لا اليوم ولا في المستقبل، حتى لا يظنّ أحدٌ أن المسألة فقط سياسية، فهي ليست سياسية وحسب، إنما كامنة في طبيعتهم الأم.
ومن هذا المنطلق اعتمدوا التشدد والتطرّف في الدين واعتمدوا تسييس المسيحية والمسيحيين أتباع هذه الديانة في إطار الانغلاق الذي دعاه أنطون سعادة بالانعزالية؛ اذ رأيناهم كيف جيّشوا أتباعهم من المسيحيين واستنفروهم - خصوصاً في بداية الحرب الأهلية - ضدّ كل الطوائف لا بل الفئات الأخرى من اللبنانيين وغير اللبنانين المقيمين على أرض لبنان، والذين تأثروا بحوادث لبنان ضمن جغرافية الهلال الخصيب أو الشرق الأدنى كما أثّروا بدورهم في محيطهم وفي لبنان، عندما طالتهم الأحداث وأعني بهم أبناء فلسطين وسورية والعراق.
كما أنهم اعتمدوا هذه الأساليب للمزايدة على ذوي الأصول المشرقية والمسيحية، أي الذين دخلوا في المسيحية مباشرة من العصر الوثني دون التحوّل إليها من دينٍ آخر، ولم يهاجروا إلى لبنان من بلادٍ نسبياً بعيدة أو بيئاتٍ نسبياً غريبة، بل وُجدوا بالأصل فوق جغرافيته أو تحدّروا من أماكن قريبة إليه.
وهذا ما دفع ربما بالأخوة أمين وبشير للاقتران بامرأتين منتميتين بالأصل إلى أقليّة وتسجيلهما في نفوس الطائفة المارونية.
لا بدّ من التذكير هنا بالتمييز بين هدف التحليل المشروع والمبرر وبين عدم الاهتمام بشكلٍ عام بتفنيد الأصول، لأننا أبناء واقعٍ اجتماعي واحد، ننتمي من خلاله جميعاً إلى وطنٍ واحد، كما لا بدّ من التمييز بين آل الجميّل المُرفقة بشدّة وآل الجميل من دون شدّة المختلفين تماماً عنهم.
أمّا بالعودة إلى اليمن فمن المتعارف عليه هناك دخول العديد من القبائل اليهودية اليمنية الإسلام في مختلف المراحل الزمنية، ولكن من غير المألوف دخول هذه القبائل في المسيحية الا اذا خرجت من البيئة اليمنية الضيّقة، وهذا ما جرى مع آل جميل، فيما حافظوا كما جاء على خصالهم اليهودية في فهم الدين المسيحي من زاوية التعصّب والانغلاق وعدم الالتزام فعلياً، بل شكلياً بنهج المسيح وأقواله وبالروحية التي كرّسها في دينه المسكوني والجامع والسموح.
فمن أصلِ أعدادٍ كبيرة جداً من اليهود في اليمن، لم يبقَ فيه الا القليل ممن لايقرّون بأصولهم اليهودية؛ كما هو شأن كل اليهود الذين مكثوا في أوطانهم العربية الأم وتحوّلوا إلى الإسلام، فيما تحوّل القليل منهم إلى المسيحية، بينما يُعدّ بحفنة مئات الباقين علانيةً على دينهم اليهودي، ما عدا بعض الدول كالمغرب التي توفّرت فيها بيئة حاضنة للملّة اليهودية.
واليمن هو البلد العربي الوحيد الذي دخل أهله خلال تاريخه اليهودية ثم دخلوا المسيحية ثم الإسلام بهذا الكمّ، فيما لم يُعرف عن بقية الدول العربية هذا الدخول المتنوّع وواسع الانتشار.
لكن فضّلت قبيلة الجميّل المعاصرة هناك عدم السفر إلى إسرائيل في إطار ما عُرف بعملية بساط الريح التي نقلت ستين ألف يهودي يمني إليها، فيما مكثت في اليمن وازداد نفوذها مع الوقت ومع تحوّل أفرادها إلى الإسلام وإخفاء أصولهم عن أبنائهم وأحفادهم.
وما توصّلت إليه في هذا الصدد اقتصر على محاولة يتيمة قمتُ بها من خلال الإعلامية ماريا معلوف التي أجرَت عبر شبكة المعلوماتية مقابلة معي لصحيفتها « الرواد»، ثمّ اقتبست لصحيفتها المذكورة بعض المقالات والمقاطع الكتابية التي كنت أدرجها في موقعي الخاص أو على صفحتي في كتاب الوجوه (فايسبوك) في فترة زمنية امتدّت بين أواخر العام 2011 وأواخر 2012، وقد تمحورت المحاولة حول إيجاد صحافي يمني في المقابل لإجراء مقابلة مع بعض أفراد آل الجميّل هناك، لإدراجها ضمن ريبورتاج بالصوت والصورة عنهم صالح للبث في إحدى وسائل الإعلام.
لكنّ نتيجة المحاولة الفاشلة نسبياً كمنَت في أن رئيس تحرير صحيفة الميدان الأهلية وهي من أهم الصحف اليمنية، الأستاذ خالد علي النوري - الذي تواصلتُ معه من خلالها باسم مستعار وكان حبيب بيروتي، والذي كان يجهلُ حقيقة آل الجميّل فيما تفاجأ بعد بحثٍ قام به بحقيقة أصولهم، إذ ظنّ أن الذين من أصول يهودية قد غادروا اليمن كما هو مُعلن ولم يبقَ منهم عدداً يُذكر، كما صادف وجوده في ولاية وجودهم ولاية تعز، والذي كان تعرّض قبل هذا التاريخ في عام 2010 لمحاولة اختطاف فاشلة - خاف منهم ومن نفوذهم السياسي هناك، عندما علِم بتبوئهم مراكز في الدولة اليمنية.
هذا بالرغم من إقرارِه لي عن إخفاء حقيقة أصولهم عن أبنائهم وأحفادهم، وبالرغم من كل التطمينات عن عدم كشف اسمه لو قام بالمهمة مع التكفّل من جانبي بكل نفقاتها.
وقد اتصلتُ به هاتفياً مرات عدة قبل أن يتراجع عن وعدِه وتأكيده لي بإجراء الريبورتاج، لتؤكد الإعلامية المعلوف بدورها سبب التراجع الكامن في خشيته من قبيلة الجميّل.
ومنه أكتفي في الوقت الحاضر الذي أعاقني بسبب وضعي القانوني - السياسي عن الاتصال بالناس لإيجاد شخصٍ ملائم لهذه المهمة الصحافية، بإدارج وثيقة عن إحدى معمّرات اليمن والتي ارتدت زيّاً يهودياً فيما تشبه إلى حدّ بعيد زوجة بيار الجميّل الجدّ.
يبقى القول إن فرعاً من هذه القبيلة رحلَ فيما مضى إلى المغرب واستوطن في البداية مدينة فاس، ومكثَ يهودياً حتى يومنا هذا، دون أن ترغمه الظروف المتوفّرة في تلك البلاد على التحوّل إلى دينٍ آخر.
فقد حصلَ أن أخبرني والد أحد الأصدقاء خلال حرب السنتين أنه لفتَ نظره شخصٌ جالسٌ إلى جانبه خلال رحلةِ طيران الشرق الأوسط من إفريقيا إلى باريس بسبب شبههِ الواضح ببشير الجميّل، فنظرَ إلى جواز سفرِه لحظة إخراجه لتعبئة بطاقة الدخول إلى المطار، وقرأ عليه اسم بشير الجميّل،  فأثار ذلك دهشته وفضوله فيما قال له مازحاً:
لا تكمل سفركَ معي إلى مطار بيروت أبداً.
فأجابه الآخر إنه يهودي مغربي يعمل في مجال الذهب وذاهبٌ فقط إلى باريس وجهة سفره.
هذا قبل أن يتمّ التواصل مع بعض الأصدقاء الافتراضيين الذين أكّدوا لي وجود هذه العائلة لديهم وصحّة مسقط رأسها وانتمائها الديني.
الامين حبيب الشرتوني