لم يكن الحريري مخطئاً او غير صادق عندما اعلن قبل يومين ان التحالفات السياسية والانتخابية تغيرت ولم تعد تشبه تلك التي قامت بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فرئيس الحكومة منذ قبوله التسوية السياسية ومعادلة «عون في بعبدا والحريري في السراي» افتتح خطاً سياسياً ساخناً كلفه تضحيات وتغيرات في جملة مواقفه وتكتيكاته السياسية واستلزم وقتاً لإقناع فريقه السياسي وجمهوره المستقبلي به، لكن الحريري كان مدركاً ان الطريق التي يسير عليها اليوم هي الافضل والانجح له وهو الذي خرج قبل سنوات من السلطة «صفر اليدين» وعاد اليها في حلة اصعب فاقداً عناصر القوة والسلطة والمال، قبل ان تفتح مجدداً امامه «جنة» الحكم التي يتداول الاهتمام والعناية بها وفق تفاهم مع رئيس الجمهورية. هذا السيناريو بات مزعجاً الى حد كبير ويثير انفعالات سلبية حيث ان فريقاً واسعاً لا يهضم التقارب بين الرئاستين ويسعى الى التصويب على تفاهم «عون - الحريري»، وليست زوبعة مشاركة رئيس الحكومة في القمة العربية والاسلامية والاميركية في الرياض الا تعبيراً عما يدور في افكار شريحة من السياسيين والمتضررين من تقارب الرئاستين، فما كادت تطوى صفحة تسلم الحريري رئاسة جلسة مجلس الوزراء بعد انسحاب رئيس الجمهورية منها لارتباطات سابقة، حتى اتت قضية القمة واثارة عاصفة عدم مشاركة عون فيها بما اعتبره المنتقدون تجاوزاً للرئاسة وفشلاً لسياسة لبنان الخارجية وسابقة خطيرة بالتعاطي الدولية مع لبنان.
فالدعوة السعودية التي لم توجه الى الرئاسة الاولى تعاطت معها ومع تداعياتها دوائر بعبدا بكثير من الهدوء والسياسة الاستيعابية خصوصاً وان رئيس الجمهورية لا يرغب بعد افتتاح عهده باول زيارة رسمية الى السعودية بالتشويش على علاقته بالمملكة التي شهدت في السنوات السابقة مداً وجزراً، والدعوة لم يصدر بشأنها اي رد سلبي من بعبدا وعلى العكس فهي في الشكل اراحت رئيس الجمهورية من عبء المشاركة في قمة موجهة ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، كما ان رئيس الجمهورية له ملء الثقة بمن سيمثل لبنان على طاولة القمة، علماً ان الكثير قيل ويقال عن مشاركة لبنان، فالدعوة  جرى توظيفها في عدة مجالات، اهمها لدق اسفين في جدار علاقة عون والحريري بدون الالتفات الى تفاصيل الاخراج الذي اعتمد في الدعوة لعدم احراج رئيس الجمهورية في القمة خصوصاً وان حضور رئيس الحكومة سيكون اخف عبئاً واكثر ليونة واستيعاباً لما سيقال في القمة حيث ستكون القمة موجهة ضد إيران بالدرجة الاولى وسيكون رئيس الحكومة «السعودي الهوى» غير محرج في الموقف على ما كان سيكون موقف رئيس الجمهورية، وفي هذا السياق تقول اوساط سياسية على صلة بموضوع الوفد الى الرياض ان التنسيق جرى منذ وصول الدعوة وما سبقها بين الرئاستين في السراي وبعبدا في كيفية التعاطي الرسمي والإخراج اللائق الذي يحفظ موقف الرئاسة وتمثيل لبنان على مستوى القمة وبما لا يزعج اي طرف إقليمي، فلا يغضب طهران ولا يزعزع العلاقة بالسعودية وضمن السقف الذي يريده رئيس الجمهورية ويقبل به رئيس الحكومة الممثل الرسمي على طاولة الرياض. فرئيس الجمهورية لا يرغب بالعودة الى توتير العلاقة مع السعودية بعد ترتببها وتنقيتها من الشوائب فيما موقفه واضح من الجمهورية الاسلامية وهو الذي يؤكد في المحافل الدولية وعلى المنابر عن دعمه لحزب الله بدون اي مواربة او التفاف. وعليه فالتناغم بين الرئاستين لن تؤثر عليه القمة السعودية مهما بلغت الوشوشات الداخلية، وثمة الكثير من التعاون والتلاقي في العديد من الملفات نشأ منذ وصول رئيس الحكومة الى السراي وقبله، فرئيس الجمهورية لا يريد قانوناً لا يتم الاتفاق حوله مع كل القوى السياسية وموافقة الشريك السني في الطليعة، التفاهم واضح في مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية يمكن ان يترك الجلسة في قصر بعبدا ليسلمها الى رئيس الحكومة بدون تردد وهي سابقة لم تحصل في تاريخ علاقة الرئاستين، ورئيس المستقبل اعلن رفضه السير بالتمديد في تأييد واضح لبعبدا اغضب كثيرين وخصوصاً المختارة وعين التينة.
في هذا الاطار يؤخذ كثيراً على الانحياز الحريري لبعبدا وذوبان رئيس الحكومة الى حد ما في شخص الرئيس، فيما يرى آخرون ان ثمة توزيع ادوار بين السراي وبعبدا وتنسيق لا متناهي قائم وفق المعادلة الرئاسية التي حكمت فترة رفيق الحريري ورئيس الجمهورية هي ذاتها اليوم مع تعديلات اضافية وتقوم على «السياسة لبعبدا والاقتصاد للسراي» مع رتوشات تواكب موازين معينة. فرئيس الحكومة يحتاج الى السلطة والقوة المالية التي كان يمتلكها وفقد جزءاً منها لاستعادة شارعه السني وخوض الانتخابات النيابية خصوصاً انه يواجه اخطبوطات سياسية في كل مناطقه.
الضجة السياسية التي تسري منذ فترة ويثيرها اخصام بعبدا والسراي حول مسار العلاقة المتجاوبة او «المتمادية» والتي لا سقف لها بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا يبدو انها تؤثر في علاقة الرئاستين، فرئيس الحكومة حريص على تمتين علاقته بالعهد وعدم افتعال اي خلاف سياسي مهما كانت الاسباب او الموجبات حيث يتفق الرئيسان على كل التفاصيل تقريباً في النقاش الانتخابي او التعيينات التي مرت بهدوء وحيث يحرص الحريري على ترييح عهد عون في ولايته الرئاسية الصاخبة بالاصلاح وبطبيعة الحال فالأمور لا تمر بخير وبوئام في المختارة او عين التينة فيغرد وليد جنبلاط وحده آسفاً على الزمن الجميل في لطشات الى السراي من فترة الى اخرى عندما يشعر الزعيم الاشتراكي باشتداد اواصر علاقة الرئاستين ومخاطرها على زعامته وهو الذي يخشى ان ينجرف الحريري في تيار عون فيصيبه ويصيب الحلف القديم باصابات قاتلة في القانون الانتخابي، والزعيم الاشتراكي بات يسمي الأشياء باسمائها الاولى ومستاء من الانحياز الكامل من المستقبل لرئيس الجمهورية، فالحريري لا يرفض اي مطلب لبعبدا في قانون الانتخاب او في تعطيل مجلس الوزراء عندما تدعو الحاجة، هذا الواقع يستنفر جنبلاط فيطلق تغريداته او يحمل سماعة الهاتف معاتباً هو الذي يشعر بوشك فقدان اوراقه السياسية والانتخابية من أقرب الناس اليه. وفي حين تستمر عملية شد الحبال بين القوى السياسية بتقاذف كرة التعطيل والاتفاق على قانون بين بعضها البعض من اجل التمديد للمجلس النيابي او فرض الستين كأمر واقع،وتشهد العلاقة بين بعض القوى السياسية ازمات حادة على خلفية القانون العتيد خصوصاً بين التيار الوطني الحر وعين التينة والمختارة، فان تيار المستقبل يبدو كأنه خارج كوكب الأرض انتخابياً او خارج العصر الانتخابي، مغرداً وحده بهدوء عن صخب الانتخابات وخلافات التيار الوطني مع حلفائه مع انه قضى ردحاً من الزمن وهو يشاكس البرتقالي، فلا يعبر عن اعتراضات واسعة النطاق في ما خص الطروحات الانتخابية ولو كان القانون المطروح يصيبه في الصميم، فيبدو بنظر المنتقدين للمستقبل «ملتحقاً» بمركب رئيس الجمهورية وما يقرره حليفه التيار الوطني الحر الذي يعتبره لا يزال مؤتمناً على التسوية الرئاسية، فالمستقبل لا تلائمه طروحات باسيل بمجملها لكنه يفضل ان ينأى بالنفس ويترك الملعب للآخرين لرفع الصوت واللعب في ملعب القانون.
قد يكون رئيس الحكومة ليس مرتاحاً في ما هو معروض من قوانين نظراً لوضعية المستقبل غير الممسوكة منه بعد بالكامل على غرار الأيام الماضية، كما انه من جهة ثانية يتعاطى مع الملف الانتخابي على قاعدة «ترك الجميع يتناتشون ويتسابقون في غير ملعبه» طالما ان هناك من يرفض ان يطلق يدا الثنائية المسيحية في صياغة القوانين، وعليه يتصرف الحريري من منطلق «فلتكن المعركة معركتهم» والنأي بنفسه عن الغوص في مشاكل الآخرين ولعبة تصفية الحسابات لكن ما يهم رئيس الحكومة بالدرجة الاولى عدم توتير علاقته بالعهد، او ان يتسبب بشرخ في العلاقة التي أسسها نادر الحريري وجبران باسيل على خلفية القانون الانتخابي. رئيس الحكومة لا يرغب بالمواجهة مع رئيس الجمهورية اذ يتطلع الى حكومة العهد الثانية التي ستكون الحكومة الفعلية بعد «بروفا» الحكومة الاولى. في قناعة المستقبل ان التسوية التي سار فيها الحريري مع بعبدا لا رجوع عنها وان رئيس تيار المستقبل عندما انجزها أعطى رئيس الجمهورية شيكاً على بياض بدون توقيع، ذلك ان ثقة الحريري بعون هي بدون حدود فالرجل «وفيّ» لالتزاماته وتحالفاته، من هذا المنطلق يتفادى الوقوع في فخ الخلاف السياسي والانتخابي معه.