ما يزال الصراع محتدماً بين مختلف القوى السياسية المكونة للحكم في لبنان، وما تزال الجبهات مشتعلة على كافة الميادين وفي كل المؤسسات الرسمية للدولة اللبنانية، حيث تتمظهر الصراعات بأشكال مختلفة، وتتخذ المناكفات أبعاداً يتداخل فيها السياسي بالطائفي والمذهبي، وتتجلى النعرات السياسية بما يعكس السقوط المريع لفكرة الدولة في لبنان، وتخلي الجميع عن انتماءاتهم الوطنية والقومية، لصالح ولاءات صغيرة لزعامات وأطر سياسية أومناطقية أومذهبية، وكأن ما يجري منسق بإتقان ليكرس صورة الفشل الذريع للبنان الكيان، او لاسقاط الجمهورية الثانية.
قد يكون من نافل القول ان هذا النوع من الصراعات والمناكفات، حين تدخل الى المؤسسات الرسمية فانها تؤشر على بلوغ مرحلة الخطر الكياني فعليا، باعتبار ان أولى نتائجها المباشرة ستنعكس على انتاجية عمل اي جهاز او اي دائرة رسمية تصاب بـ«فيروس» التجاذبات الطائفية، وتصيبه بالعطب وربما الشلل اذا ما استفحلت ولا سيما تمت تغطيتها ومباركتها او تغذيتها من قبل فرقاء الطاقم السياسي الذين يقتسمون الحكم ويتوزعون إيراداته على طريقة اقتسام غنائم الحروب، وهو الامر الذي يتمظهر جليا في أكثر من مؤسسة رسمية كبيرة كانت ام صغيرة، وينعكس سلبا على آليات انتاجها، كما يحدث في عدد كبير من الوزارات والمؤسسات والدوائر الرسمية، وهو ما يتجلى بوضوح فاقع منذ مدة ليست ببعيدة، في المؤسسة الامنية الاعرق في لبنان وهي المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، ويتم الرد عليه من وزارة المالية بما يترجم الصراع الخفي المستفحل والمدوي بين رئاستي المجلس النيابي من جهة والحكومة من جهة أخرى.
ولم يعد خافيا في هذا السياق ان التشكيلات التي كان اجراها المدير العام الجديد لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان على أثر تعيينه مؤخرا في هذا المنصب، كانت سبباً في نشوء مشكلة كبيرة مع الثنائي الشيعي الذي رأى مع كثيرين آخرين معنيين ان عثمان خالف القانون رقم 17 الناظم لعمل المديرية وتجاوز صلاحياته كمدير عام ليس له ان يصدر اي تشكيلات امنية على هذا المستوى بمعزل عن رأي مجلس قيادة قوى الامن الداخلي، وبالتالي رفضت القوى السياسية الشيعية فكرة ان يستأثر المدير العام بتعيين قادة مناطق لوحده من دون الرجوع الى مجلس القيادة، ومن باب اولى اولئك المحسوبين على الطائفة الشيعية في سياق التوزيعة الطائفية، كما حصل في قيادة منطقة الشمال في وحدة الدرك الاقليمي، معتبرين ذلك خرقا للعادات قبل ان يكون مخالفة للقانون وتجاوزا للصلاحيات، لكن المدير الجديد لديه تفسير اخر للقانون 17 وقد آثر ان يوزع طاقم عمله الخاص والضباط الذين سبق وان عملوا معه في شعبة المعلومات على المناصب الحساسة في المديرية.
 وقيادة درك منطقة الشمال الاقليمية، هي بالذات النقطة التي فجرت الصراع بين الطرفين باعتبار ان اللواء عثمان وهو اللصيق برئيس الحكومة سعد الحريري لديه أجندته الانتخابية التي رسمتها دوائر بيت الوسط للسيطرة على المفاصل الاساسية والمفاتيح الانتخابية في منطقة الشمال عموما وفي مدينة طرابلس على وجه التحديد، حيث تم اعداد العدة لتطويق القوة الناشئة الجديدة على حساب شعبية المستقبل في المدينة، والمتمثلة بزعامة اللواء أشرف ريفي والذي تشير كل المعطيات الى انه بنى قاعدته الشعبية فعليا على الخدمات التي تمكن من تقديمها حين كان على رأس المديرية نفسها، وللحؤول دون اتساع رقعة شعبية تلك الزعامة المستجدة على الساحة السنية فان الحريري آثر الامساك مليا بهذه بالآلية التي أوصلت ريفي الى ما هو عليه اليوم، وطلب من عثمان السيطرة التامة على «الخدمات الامنية» في الشمال وهي كثيرة الاوجه ومتعددة التقديمات، والاخير رأى ان الخطوة الاولى على طريق استعادة الولاء الطرابلسي تكمن في تعيين قائد اقليمي لمنطقة الشمال قريب منه جدا، تمهيدا لتنفيذ خطة الإطباق الانتخابية بكل أبعادها ووجوهها، على اعتبار ان الانتخابات كانت على الابواب.
من هذا المنطلق يبدو ان عثمان لم يكن يستهدف الثنائي الشيعي عندما اختار العقيد علي سكيني قائدا لمنطقة الشمال الاقليمية، فالمنصب من حصة الطائفة الشيعية حكما في التوزيعة الامنية لقادة المناطق، ولم يكن يرمي الى الاستئثار بصلاحيات مجلس القيادة وتجاوز صلاحياته بل ربما وجد نفسه محكوما باختيار شيعي قريب منه يحقق له مآربه الانتخابية، والضباط الشيعة من هذا النوع قلة نادرة، لوجود معظم الضباط الشيعة الاخرين على الضفة الاخرى في الولاء السياسي، لكن رئيس المجلس النيابي نبيه بري وجد في ذلك الاجراء استهدافا مباشرا له شخصيا بهذا الاجراء لكونه تعود شخصيا دون سواه ان يسمي شخصيا قائد درك منطقة الشمال الاقليمية، وبالتالي رد على استهدافه هذا من وزارة المال حيث اجرى الوزير علي حسن خليل على الفور تشكيلات ومناقلات ادارية ترمي الى تهميش بعض انصار تيار المستقبل، كما حجب المخصصات المالية المعروفة بالمصاريف السرية عن مديرية الامن الداخلي، واندلع اشتباك بين الطرفين ما يزال حتى حينه مؤطرا ضمن الاطر الادارية.
وفي معلومات خاصة بـ «الديار» انه في سياق تلك الحرب الناعمة التي كان حجبها الصراع الانتخابي المدوي الذي خلط كل الاوراق بين كافة المكونات السياسية حاول العماد عثمان ان يعقد اجتماعا لمجلس قيادة قوى الامن الداخلي المنقسم على نفسه بما يعكس صراع القوى السياسية نفسها، مطلع الاسبوع الجاري لكنه اخفق للمرة الثانية منذ تعيينه، حتى في إنجاح الجانب الشكلي من اجتماع القيادة الجماعية للمؤسسة، والذي لم يدم لاكثر من 20 دقيقة وانفض على وقع اعتراضات صارخة على ما تم طرحه واستحضاره من خلافات مستحكمة بينه وبين ممثلي الثنائي الشيعي من جهة اولا، كذلك الخلاف المستجد الذي نشب بين المدير العام وبين الممثلين للمسيحيين في مجلس القيادة من جهة ثانية، حيث طرح المفتش العام لقوى الامن الداخلي العميد جوزف كلاس مبدأ العمل بالمداورة في رئاسة شعبة المعلومات على غرار ما كان حاصلا بعيد تأسيسها حين تولى مسيحي رئاستها هو العميد جان غريب، لكن هذا الامر جوبه برفض قاطع من عثمان وساد هرج ومرج أدى الى فض الاجتماع بسرعة لم تكن متوقعة.
وتشير المعلومات الخاصة بالديار ان عثمان كان ينوي تمرير التشكيلات فعليا خلال اجتماع مجلس القيادة قبل ان يصطدم بالعميد كلاس والقادة المسيحيين، اذ حاول تسويق فكرة ابدال سكيني ونقله من قيادة منطقة الشمال الى رئاسة شعبة العديد في المديرية التي يتولاها حاليا العقيد موسى كرنيب المحسوب على الثنائي الشيعي، ونقله بدلا منه الى الشمال، لكن ممثلي الشيعة في مجلس القيادة رفضوا الاقتراح رفضا قاطعا واعتبروه نوعا من  الضحك على ذقونهم، اذ ان السيطرة على شعبة العديد ترمي الى السيطرة على أموال المديرية، ومن خلالها الامساك اكثر بكل التفاصيل الاخرى، فضلا عن تحقيق مكاسب أخرى كثيرة.
ومع ذلك حاول ممثلو الشيعة في مجلس القيادة بحسب اوساطهم، التوصل الى تسوية مع عثمان قبل ان تفض الجلسة، اذ طرحوا ان يتولى العقيد يوسف درويش قيادة منطقة الشمال بدلا من سكيني لكن عثمان رفض ذلك الاقتراح، معتبرا انه سيستطيع تمرير التشكيلات قبل ان يصطدم بالمطلب المسيحي الذي اقترح لمجاراته اما العودة الى المداورة في رئاسة شعبة المعلومات، او إسناد رئاسة شعبة الشؤون الادارية لمسيحي فورا، لكنه رفض كل تلك الاقتراحات معتبرا ان ما قام به من اجراءات فصل على مستوى القيادات حتى الان هي من حقه القانوني وفقا لتفسير محدد للقانون 17 الناظم لعمل مديرية الامن الداخلي، في حين يؤكد العمداء الاخرون ان صلاحية المدير العام في اجراءات الفصل محددة نصا بالقانون بحالتين هما حالتي الشغور او بسبب حفظ الامن والنظام، وانه بهذا المعنى يكون قد تجاوز صلاحياته التي اناطها به القانون.