مع انجاز التسوية الانتخابية على حافة الهاوية، التقطت الاطراف الداخلية انفاسها، وبدأ كل منها يراجع حساباته وتحالفاته، استعدادا للانتخابات النيابية في ايار المقبل، والتي ستكون هذه المرة مختلفة عما سبقها، بعدما دخل لبنان الى عصر النسبية.
وسيحاول كل فريق الاستفادة قدر الامكان من «هدية» الـ 11 شهرا الفاصلة عن موعد الاستحقاق، لتحضير قواعده الشعبية وماكينته الانتخابية على المستوى اللوجستي من جهة، ولتحسين شروط معركته على المستوى السياسي من جهة أخرى، وبالتالي فان الحملات الانتخابية ستبدأ باكرا، وستتخذ اشكالا مختلفة.
بهذا المعنى، فان وزراء الحكومة سيسعون الى استثمار مواقعهم بالطريقة التي تفيد احزابهم في الانتخابات، والمجلس النيابي الممدد له سيسعى الى تخصيب «اليورانيوم التشريعي» وتفعيل انتاجيته بغية رفع علامات نوابه وتجميل صورتهم قبل الاختبار الشعبي في ايار.
اما رئيس الجمهورية ميشال عون فيتطلع بدوره الى انقاذ عهده من فيروس «الوقت الضائع» الممتد حتى موعد اجراء الانتخابات وانبثاق سلطة جديدة، ما يفسر حماسته لجمع رؤساء احزاب الحكومة في قصر بعبدا، الخميس المقبل، من اجل تنشيط المؤسسات واقرار بعض الاصلاحات في المرحلة الانتقالية.
ويقول مقربون من عون لـ «الديار» ان اللامركزية الادارية ستشكل احدى ركائز البحث في لقاء بعبدا، موضحين ان وظيفته ليست سياسية فقط، بل اقتصادية ايضا.

 بري: مجلس الشيوخ طوي


ويؤكد الرئيس نبيه بري امام زواره انه سيشارك شخصيا في لقاء بعبدا المرتقب، موضحا انه ابلغ هذا الموقف للوزير جبران باسيل عندما شاوره بالامر على هامش الجلسة النيابية العامة، ومشيرا الى ان هذا الاجتماع يجب ان يصب في خانة تنشيط مؤسسات الدولة، تحت سقف التذكير بالاصول التي ينبغي ان يعاد الاعتبار اليها، بعدما جرى انتهاكها كثيرا، لافتا الانتباه الى ان ما مضى قد مضى وعلينا الآن ان نفتح صفحة جديدة، على القاعدة الآتية: لا فضل لأحد على الآخر إلا بقدر ما يعمل من أجل تفعيل المؤسسات وتحصين الاستقرار.
ويرفض بري ادراج مسألة تشكيل مجلس الشيوخ على جدول اعمال الاجتماع الذي سيُعقد في القصر الجمهوري، إذ ان هذا الملف طوي واصبح خارج التداول حاليا، بعدما تقرر اعتماد النسبية على اساس 15 دائرة، لافتا الانتباه الى انه كان قد ربط تشكيل المجلس باقرار النسبية في دائرة واحدة او ست دوائر، لكنهم أضاعوا الفرصة..
ويعتبر بري ان القانون الانتخابي الذي صدر هو افضل ما يمكن ان يصل اليه فن الممكن ضمن التعقيدات اللبنانية، سائلا المتحاملين على هذا القانون عما اذا كانوا يعرفون ماذا يجري في المنطقة وماذا يفعل دونالد ترامب، مضيفا: في كل مرة، الله ينجينا، بينما بعضنا يتهاون في تحمل مسؤولياته الوطنية ويستسهل العبث السياسي.
ويتابع: ما حصل انجاز كبير وربح صاف للبلد، قياسا الى واقعنا والى ما يحيط بنا، ومشكلة البعض انهم يقاربون القانون من زاوية هذا التفصيل او ذاك وليس من زاوية أهميته في تحصين الداخل.
ويشير بري الى انه لم يكن موافقا على التمديد الطويل الأمد للمجلس النيابي، لكن الضرورات التقنية المتعلقة بالبطاقة الممغنطة هي التي فرضته، مستندا في هذا الاطار الى ما سمعه من وزير الداخلية نهاد المشنوق.
ويشدد بري على وجوب تفعيل عمل المجلس النيابي واقرار العديد من القوانين الحيوية خلال الفترة الممتدة حتى ايار المقبل، لاستعادة ثقة الناس والتخفيف من وطأة التمديد عليهم، معتبرا ان زيادة الانتاجية التشريعية هي افضل دعاية انتخابية للقوى السياسية التي يجب ان تحول التمديد من مشكلة الى فرصة.

 حزب الله ـ التيار الحر


وإذا كانت أهلية الطبقة الحاكمة قد وُضعت على المحك خلال المخاض الانتخابي العسير، فان العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر خضعت بدورها لاختبار جديد بـ«الذخيرة السياسية» الحية، إما بفعل تباينات موضعية ظهرت حينا، وإما بفعل ضخ موجه حينا آخر.
ولئن كان كل من الرئيس عون والامين العام للحزب السيد حسن نصرالله قد أثبت في المحطات المفصلية متانة التحالف وثباته على الخيارات الاستراتيجية، إلا ان الفوارق التكتيكية في مقاربة الملفات الداخلية اعطت انطباعا في بعض الاوقات بان هذا التحالف يهتز..
وعليه، كيف خرجت علاقة الحزب- التيار من الاختبار الجديد، والى اي حد يصح الافتراض انها أصيبت بـ«نيران صديقة»؟ وهل تأثر تفاهم «مار مخايل» بـ «وسوسات» شياطين التفاصيل الانتخابية ام ان تفاهما صمد امام تحديات حرب تموز لا يمكن ان يتاثر بأي تهديد آخر؟  

 قاسم: اسس العلاقة ثابتة


يقول نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لـ «الديار»: لقد عبّرنا مرارا وتكرارا خلال مخاض النقاش، في لحظات العسر ولحظات اليسر، بان العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله لا تتأثر بمسار هذا النقاش ولا بالقانون الذي سيتم التوصل اليه، وعندما برز في بعض اللحظات خلاف حول تفاصيل جزئية، تبين سريعا ان تلك التفاصيل شكلية ومحدودة، ولا تؤثر على الجوهر، إذ ان وجهات النظر المختلفة في ظل علاقة متينة ليس لها انعكاس سلبي على هذه العلاقة، بل ان من يراجع مجريات الاشهر الاخيرة من النقاش الانتخابي يظهر له ان المشكلة كانت مع الآخرين، وليس بين الحزب والتيار.
ويتابع: مع ذلك، فان اي خلاف حول التفاصيل هو مشروع من حيث المبدأ، ولا يجوز ان يكون سببا للتأثير على المسائل الاستراتيجية، وفي هذا السياق لا بد من لفت الانتباه الى انه في خضم النقاش المتعلق بقانون الانتخاب صدرت مواقف كبيرة ومهمة عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حيال المقاومة والنظرة الى الوضع الداخلي، كما صدرت تأكيدات مهمة عن الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله حيال طبيعة ومتانة العلاقة بين التيار والحزب وكيفية مقاربة الوضع الداخلي خصوصا لناحية التشديد على ضرورة الوصول الى قانون انتخابي بالتعاون بين جميع الاطراف.
ويعتبر قاسم ان هناك جهات متضررة ومتذمرة من علاقة التيار والحزب، وهي لا توفر جهدا من أجل إثارة القلاقل والمشكلات، لكن كل هذه المحاولات فشلت سابقا وستفشل مستقبلا، لان التحالف بين الطرفين مبني على قواعد وأسس ثابتة، وليس على مصالح عابرة او مكاسب طارئة.
وهل يلبي قانون النسبية في 15 دائرة طموحات الحزب؟
يؤكد قاسم ان حزب الله يعتبر ان اقرار قانون الانتخاب على اساس النسبية يشكل نقلة سياسية نوعية في البلد الذي كان يرتكز منذ نشأته على القانون الاكثري، لافتا الانتباه الى هذا القانون، بشكله وتفاصيله، هو أفضل الممكن بلحاظ النقاش الذي استمر اكثر من 8 سنوات.
ويشير الى ان القانون النسبي فيه من عدالة التمثيل وتحديد الاحجام الحقيقية واتاحة الفرصة امام القوى الصغيرة والمحلية، ما يجعله محطة هامة في الحياة السياسية اللبنانية.
ويضيف: بالتأكيد، النسبية على اساس اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة تشكل القانون الافضل والامثل، ولكن كانت هناك ضرورة للعمل بشكل واقعي ومراعاة التركيبة اللبنانية الدقيقة، وقد وصلنا في نهاية المطاف الى قانون توافقي بامتياز مبني على النسبية، وهذا انجاز كبير.
ويتوقع قاسم ان يحمل القانون الجديد، في نتائجه، عددا من المفاجآت سواء لجهة أعداد نواب الكتل زيادة ونقصانا، او لجهة خروج شخصيات ودخول اخرى الى المجلس النيابي، وهذه ميزة في القانون، إذ انه ليس محسوم النتائج سلفا، مشيرا الى ان كل القوى المحلية والمحدودة باحجامها، ستتمثل الى جانب القوى الكبرى التي ستعود الى احجامها الواقعية، بدل الاحجام الوهمية التي أنتجها النظام الاكثري، لا سيما قانون «الستين».

 باسيل: تحالفنا ثابت


على الضفة البرتقالية، قال رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل لـ«الديار» ان تحقيق النسبية كان هدفا مشتركا لنا ولحزب الله، ولذلك فان القانون المعتمد هو انجاز مشترك ايضا، مؤكدا ان التحالف بيننا ثابت، وقد اثبت جدواه مرة أخرى. ويضيف: النسبية حاضنة للجميع، ونحن وحزب الله كنا الحضن الذي صنعه تشابك ايادينا، مضافا اليها ايادي أطراف أخرى، وفي طليعتها تيار المستقبل.
ويشير الى ان حزب الله ساعد في اقرار احدى أهم قواعد القانون وهي الـ 15 دائرة وهذا موقف يُسجل له بعدما كان يطالب بتوزيع آخر للدوائر، كما ان له فضلا في اقرار مبدأ منح المغتربين ستة مقاعد نيابية، موضحا ان لقاءه مع السيد نصرالله كان محوريا ومفصليا، ويمكن القول ان هذا اللقاء هو الذي فتح الابواب امام انجاز التفاهم على قانون قانون الانتخاب، الى جانب سلوك رئيس الجمهورية الذي أسقط خياري التمديد وقانون الستين.
ويتابع: لا يلغي ذلك ادوار الاخرين وفي طليعتهم الرئيس سعد الحريري الذي وافق على مبدأ النسبية، والقوات اللبنانية التي ساهمت في تحصين الموقف المسيحي المشترك، من دون ان نغفل موقف الرئيس نبيه بري وبقية الجهات المعنية.
ويشدد باسيل على ان اهمية ما حصل تكمن في ان اعتماد النسبية لم يكن انتصارا على الغير، بل تم بقبول الغير. ويتابع: النسبية هي تلاقي الكبار من دون الغاء الصغار
ويدعو باسيل حزب الله الى ان يساعدنا ايضا في سد بعض الثغرات في القانون، لاسيما لجهة عتبة المرشح، مشددا على وجوب انجاز البطاقة الممغنطة باعتبارها ضرورة اصلاحية، خصوصا ان التمديد 11 شهرا لا يبرره سوى اعتماد هذه البطاقة، اما إذا كان هناك عجز عن انجازها، فاننا نطالب باجراء الانتخابات النيابية في تشرين المقبل.