بعد أن انتهت مهمّة وضع قانون جديد للإنتخاب وإقراره في مجلس النوّاب على أساس النسبية وفق 15 دائرة، ونشره السبت الفائت في الجريدة الرسمية حاملاً الرقم 44 تاريخ 17 حزيران 2017، بعد توقيعه من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، والذي سيتمّ إدخال التعديلات الضرورية عليه قبل أن يجفّ حبره، تتجه الأنظار في الداخل والخارج الى قصر بعبدا.
وعلى ما يبدو، فإنّ رئيس الجمهورية قد قرّر استثمار فترة الـ 11 شهراً من التمديد «التقني» لمجلس النوّاب كما للحكومة الحالية، بدلاً من إضاعتها سدى في انتظار الإنتخابات النيابية المقبلة، ومن ثمّ تشكيل الحكومة التي أرادها أن تكون الحكومة الأولى الفعلية للعهد، ما دامت الحالية سُميت بالـ «مؤقتة» إذا تمثّل هدفها الأساسي بمواكبة وضع القانون الجديد للإنتخاب وإجراء العملية الإنتخابية. لكنّ المعادلة تغيّرت، إذ يبدأ الرئيس عون من قصر بعبدا حواراً فعلياً خلال اللقاء السياسي «التداولي» الذي دعا اليه رؤساء الكتل الممثّلة في الحكومة حصراً وذلك عند الحادية عشرة من قبل ظهر بعد غد الخميس، لتحريك وتعزيز عمل المؤسسات الدستورية خلال المرحلة التي تسبق الإنتخابات.
وإذ بات معروفاً أنّ اللقاء سيُشارك فيه عشر شخصيات الى جانب الرئيس عون هم: رئيس مجلس النواب نبيه برّي، رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، رئيس «التيار الوطني الحرّ» الوزير جبران باسيل، رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، رئيس تيّار «المردة» النائب سليمان فرنجية، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد، رئيس الحزب القومي السوري الإجتماعي الوزير علي قانصو، رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني الوزير طلال إرسلان، النائب آغوب بقرادونيان عن حزب الطاشناق، ويُستثنى منه حُكماً رئيسا حزب «الكتائب اللبنانية» وحزب البعث، فضلاً عن المستقلين كونهم غير ممثلين في الحكومة، ذكرت أوساط سياسية متابعة أنّ أهمّ ما فيه سيكون إنهاء الوزير فرنجية مقاطعته للرئيس عون منذ ما قبل انتخابه رئيساً، ثمّ لقصر بعبدا، لا سيما وأنّه أكّد مشاركته في هذا اللقاء.
وتوقّعت الاوساط أن يلفت حضور الوزير فرنجية الأنظار كونه يزور الرئيس عون رئيساً في قصر بعبدا للمرة الأولى، بعد أن قاطع الإستشارات النيابية المُلزمة، ولم يحضر للتهنئة في ذكرى عيد الإستقلال، كما أنّه لم يلبّ الدعوة الى الإفطار الرئاسي الأخير، إلاّ أنّ دعوة للتداول مع رئيس الجمهورية وبقية رؤساء الكتل في شؤون البلاد، لا يُمكن لمن يهتمّ بالشأن الوطني أن يرفضها. ولهذا تجد أنّ مشاركة فرنجية ستكون مميّزة، وقد يسبقها خلوة أو لقاء ثنائياً مع الرئيس عون بهدف غسل القلوب وفتح صفحة جديدة من العلاقة الممتازة التي سادت سابقاً بين الرجلين.
وأفادت المعلومات أنّ هذا اللقاء لم تتمّ تسميته «طاولة حوار» أو «هيئة حوار» أو «لقاء وطنياً تشاورياً» أو ما شابه كونه سيأخذ طابعاً جديداً عن الحوارات التي جرت في العهود السابقة، ولن يحلّ محلّ أي مؤسسة دستورية بل يترافق مع انعقاد جلسات مجلس الوزراء والمجلس النيابي، كما أنّه لا يضمّ كلّ الشخصيات التي شاركت سابقاً في طاولات الحوار، ولا تتوقّع بالتالي أن يصدر عنه إعلان أو بيان. والهدف الأساسي منه هو تفعيل عمل المؤسسات خلال المرحلة المقبلة التي لا يجب أن تُستنفد بكاملها للتحضير للإنتخابات النيابية، إنّما لدراسة كلّ الملفات العالقة والتي لم يجرٍ البحث الجدّي فيها مثل البنود التي لم تُطبّق في «اتفاق الطائف» لا سيما مجلس الشيوخ، والإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية، إلغاء الطائفية السياسية، واستقلالية القضاء. كما سيطرح الرئيس عون رؤيته الإقتصادية والإنمائية لإنقاذ البلاد من الوضع المتأزّم الذي تعانيه، بتّ سلسلة الرتب والرواتب، ثمّ تفعيل عمل الحكومة ومجلس النوّاب لكي يكون منتجاً على صعيد المؤسّستين.
وبرأي الاوساط، فإنّ لقاء بعبدا لن يكون يتيماً، وإنّما ستعقبه لقاءات أخرى، ربما تكون دورية، وقد تنبثق عنه لجان متابعة لبعض الملفات، بحسب ما سيتمّ التوافق عليه بين المشاركين. فالهدف الأهمّ هو وضع الشركاء في الحكومة والذين يُشكّلون الغالبية في مجلس النوّاب أمام مسؤولياتهم في الشراكة الوطنية والتعويض عن كلّ الأشهر الفائتة التي استلزمها الإتفاق على القانون الجديد للإنتخاب. علماً أنّ كلّ ما سيتمّ التوافق عليه، سيجري بحثه لاحقاً في مجلسي الوزراء والنوّاب لإقراره.
كذلك فإنّ توافق رؤساء الكتل، على ما أضافت الاوساط، قد أنهى مرحلة التوتّر التي رافقت عملية وضع قانون الإنتخاب الجديد، الأمر الذي يُشجّع على لمّ شملهم مجدّداً، وجلوسهم وجهاً لوجه على طاولة واحدة من أجل اتخاذ التعاون والتنسيق فيما بينهم واتخاذ قرارات جديدة مجدية للوطن بعيداً عن التنافس الإنتخابي الذي لا يجب أن يبدأ منذ الآن.
ويريد الرئيس عون، على ما ترى الأوساط نفسها، تبريد الأجواء السياسية، وإنهاء مرحلة التصادم القائمة فيما بين بعض رؤساء الكتل، من خلال عقد لقاءات دورية تتسمّ بالهدوء والمصارحة والمصالحة في بعبدا، تسبق الإنتخابات النيابية المقبلة. علماً أنّ مجلس النوّاب الذي يُفترض أن يُنتخب في أيّار من العام المقبل، أو خلال الستّين يوماً التي تسبق انتهاء ولاية المجلس الممدّدة، هو الذي سينتخب رئيس الجمهورية الخلف للعماد عون. ولهذا سيتمّ التأكيد على ضرورة إجراء الإنتخابات المقبلة في موعدها، وعدم تأجيلها لأي سبب كان، مع إجراء التعديلات المناسبة والضرورية على القانون الذي أُقرّ أخيراً.
وعلى طاولة بعبدا سيكون هناك 3 شخصيات تتنافس على رئاسة الجمهورية المقبلة، الأمر الذي سيُعطي اللقاء، بحسب المعلومات، أهمية مضاعفة، لا سيما من خلال مراقبة أداء كلّ منهم، وكيف سيكون عليه منذ الآن وحتى الإنتخابات النيابية المقبلة، فضلاً عن أفكاره واقتراحاته للعناوين المطروحة. فمرحلة «إثبات الأحجام والأوزان وتحمّل المسؤوليات» قد تبدأ في قصر بعبدا، قبل أن يقول الناخبون كلمتهم في صناديق الإقتراع.
وفي الوقت نفسه، ترى أنّ كلّ المعارك أو الإستحقاقات المقبلة تبدأ منذ الآن، لكنّ الأهمّ مواصلة العمل المؤسساتي، وإيجاد الحلول لمشاكل المواطنين العالقة، الإستشفائية والصحية والبيئية والاجتماعية وسواها، كشركاء فعليين يتقاسمون المهام الوطنية، وليس كمتنافسين أو متصادمين بهدف تأمين مصالح فردية فقط.