يتجه لبنان في المراحل المقبلة إلى معالجة ملفاته وفقًا لمناهج بدأت تتضح معالمها ورؤاها رويدًا رويدًا، تحفّز المعالجات التطورات السريعة في المنطقة، المتجهة نحو الحسم بحزم وجزم، لا سيّما في المدى السوريّ، بعدما تجسّد في المدى العراقيّ وكانت معركة الموصل قمّة في التجسيد والتجليات.
هذا التحفيز تراه مصادر سياسيّة متابعة منطلقًا لحياة جديدة سينعم بها لبنان في المحطات المقبلة، بفعل انسياب النتائج إلى الداخل. أولى علامات الانسياب الحسم المنتظر في جرود عرسال والقلمون، وكما بات معروفًا، فإنّ المعركة سيخوضها حزب الله إلى جانب الجيش السوريّ من جهة القلمون، يؤازرهما الجيش اللبنانيّ من جهة عرسال والسلسلة الشرقيّة. وتجيء المعركة في هذا الإطار تعبيرا فصيحا وترجمة واقعيّة وامتدادًا طبيعيًّا للحسم في الموصل، وفي الوقت عينه سيتمّ عبر تلك المعركة الحاسمة تطويق الخطّ الجغرافيّ المنطلق من حمص إلى تدمر وصولاً إلى الرقّة، ومن الحدود السوريّة-العراقيّة إليها، حيث ستتمّ المنازلة الكبرى فيها لإسقاط آخر معاقل أبو بكر البغدادي، مثلما ستسقط معالم الجولاني والتلّي في جرود عرسال، ومن الرقة سيتمّ التوسّع نحو دير الزور والقامشلي ومحيطها لتطهيرها. بهذا المعنى السياق-الجيواستراتيجي، والجيو-أمنيّ، والجيو-سياسيّ بات متماسكًا ومترابطًا ومهيمنًا بنتائجه على المحطات السياسيّة الممقبلة في سوريا ولبنان، وفي العلاقات بينهما.
وبحسب المعلومات، الحياة الجديدة في لبنان ستولد من رحم هذا الترابط المشار إليه وتطلّ من حروفه ونتائجه. أولى الملفات الأساسيّة والجوهريّة في لبنان المطروحة للحسم، بعدما أرخت بثقلها على الداخل، ملفّ النازحين السوريين. ففي الخطوط الدوليّة لن يكون لبنان مدى لهم بفعل التوافق الروسيّ-الأميركيّ على أسس الحلّ المقبل في سوريا وتوزيع الأدوار. وفي الداخل، ليس من حجّة لدى أيّ فريق لبنانيًّا كان أو سوريًا ليعلن بطلان إمكانية العودة إلى سوريا، ذلك أنّ مساحات شاسعة تحررت وستتحرّر، فما الذي يبقيهم هنا تحت الخيم؟ لا يدلّ التوق الى حلّ هذا الملفّ على نزعة عنصريّة بحسب ما يدّعي بعضهم، بل يدلّ على واقع اقتصاديّ يتخبّط في ه البلد، واجتماعيّ ينذر بكوارث كبرى، وتكوينيّ بحيث قد يعرّض العلاقات بين الطوائف إلى مزيد من الخلل كما حصل في مرحلة النزوح الفلسطيني فاستغلّ كورقة لإشعال فتيل الحروب المتنقلّة في الداخل اللبنانيّ. أمام هذا الواقع والمشهد، لن يكون أمام الحكومة سوى التحاور والتفاوض مع الحكومة السوريّة من دولة إلى دولة، وجدولة العودة بعد دراسات ملفات النازحين، وما على الرئيس سعد الحريري وبحسب معظم الأطراف سوى التصرّف كرجل دولة يمتلك تلك الصفة المضيئة، وتعتبر تلك الأطراف أنّ والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعلى الرغم من كلّ الاعتبارات لو ظلّ على قيد الحياة، ويعيش اللحظة التي يعيشها سعد، لتصرّف كما يجب، اي كرجل دولة وقد كان على هذه الصفة بكلّ ما للكلمة من معنى.
الملفّ الآخر الذي يرخي بثقله على الداخل اللبنانيّ وفيه، ملفّ الانتخابات النيابيّة، فالناس مشدودة إليه. وبالتحديد مشدودة إلى تكوين الخريطة السياسيّة المترافقة معه ومع رسوخه. تعتبر بعض الأوساط في حجم متابعتها لهذا الأمر، أنّ التطورات الدراماتيكيّة في المنطقة، بانعكاساتها وإرهاصاتها ستكون الناطقة بقوّة، ستتداخل حتمًا بترتيب التحالفات المنتظرة في معظم المناطق اللبنانيّة، وبعضها حتى الآن غير واضح المعالم بسبب انتظارات معظم الأطراف السياسيّة للنتائج الممكن صدورها عن عمليات الحسم على الحدود السوريّة اللبنانيّة أي في الجرود، فما نتج من انتصار في الموصل كاف في رأي تلك الأوساط لتحديد معالم المرحلة المقبلة في الداخل اللبنانيّ.
وعلى هذا الأساس تذكّر تلك الأوساط كيف ظلّت معركة رئاسة الجمهوريّة ممدودة في وسط جدال داخليّ متصاعد، وحين سقطت حلب من قبضة الإرهاب وعادت إلى الدولة السوريّة، تغيّرت المعطيات السياسيّة في الداخل بعد ملاحظة ذلك التدحرج للمعارضة السوريّة، فجاء انتخاب العماد ميشال عون، من خلفيتين: واحدة داخليّة تجسدت باتفاق معظم الأطراف على انتخابه وفقًا لتسوية واضحة، وأخرى هبت رياحها من حلب لتثبّت التسوية وتكرّس انتخاب عون رئيسًا للجمهوريّة. في صدور قانون الانتخابات، تذكّر الأوساط عينها بأن صدوره جاء مع ملاحظة معظم الأطراف لاستمرار التدحرج في سوريا وانتصار الجيش السوريّ إلى جانب حزب الله فسقط قانون الستين تحت ضربات تلك الانتصارات المحقّقة في سوريا، وتوقّف النقاش. أمّا نتيجة الموصل وانسيابها إلى نحو سوريا في عملية تحرير الرقة ودير الزور والقامشلي، فهي كنتيجة حلب، ستكون لها الكلمة الفصل في تحديد التحالفات الداخلية ومواقع الأطراف اللبنانيين على الخريطة الانتخابية في لبنان، سيّما أن قانون النسبيّة وهو عصريّ سيكون بنتائجه الواضحة متماهيًا مع عملية ترميم المنطقة بفعل النتئج الواضحة.
الحالة الضبابيّة المصاحبة للانتخابات محدودة في انبثاثها وهيمنتها. فعاجلاً سيصفو الجوّ ويتبدّد الضباب وتبدأ مرحلة التحالفات المقبلة. وتقول الأوساط ان حزب الله المنتصر في المعارك، راسخ بدوره في المعادلة الداخليّة، من خلال استمراره مع الرئيس نبيه برّي ممثلّين للوجدان الشيعي في لبنان. فهو مع التيار الوطنيّ الحرّ ثابتان في اللحظات الآتية المقبلة، فيما التحوّلات ستظهر تدريجيّا عند معظم القوى. وعلى الرغم من ذلك سيبقى الحزب مع أمينه العام ضنينا بالانفتاح على الجميع محافظا على كراماتهم بدءا من النائب وليد جنبلاط على وجه التحديد كزعيم للطائفة الدرزيّة وممثّل لوجدانها، وسيتكرّس هذا الواقع بتفاهم ستتضح معالمه مع الرئيس سعد الحريري في المراحل المقبلة، من دون أن يعرف ما إذا كان هذا التكريس سيتحوّل إلى تحالف أو لا... فيما التحالف يبقى مع التيار الوطنيّ الحرّ ثابتا وراسخا بوفاء ونبل وكبر.
لبنان أمام حقبة جديدة، حقبة ستنهار معها أسوار وحجب لتنفتح الآفاق. المهم هنا أن يستثمرها المعنيون بهدوء، فمبدأ الاستقرار الأمني والسياسيّ راسخ وليس له أن يتعثّر ويتبدّد بل سيتوسّع ويتجلّى أكثر فاكثر، وسينمو لبنان به ويعلو ليسطع من خلاله العهد الجديد، فالحسم في الجوار والانتخابات في الداخل محطتان للرسوع والسطوع والتجلّي.