معركة جرود عرسال والقلمون ستكتب للبنان فصلاً جديدًا من حياته السياسيّة. تنتمي تلك الكتابة وتجيء من لحظة سقطت فيها أوراق واحترقت، بعدما ورث اللبنانيون ثقلها وذاقوا مرارتها ليتقيّأوا فيما بعد حروفها، فتفتح صفحات يدون فيها الجيش اللبنانيّ نصوصا باللون الأحمر لغد يتحوّل فيه هذا اللون إلى ضياء، ومقاومة وضعت على عاتقها ونصب عينيها الهدف السامي وهو التخلّص من البؤر الإرهابيّة الرابضة على كتفنا، بعملية جراحية تستأصل دملها السَّامة والقاتلة وتريح هذا الجسد المرتجّ والمرتجف من استشرائها المتجدّد، وقد أدى هذا الاستشراء إلى عمليات إرهابية حصدت العديد من القتلى والجرحى في عدد من المناطق اللبنانيّة.
على أرض الواقع، يتوقّع مراقبون أمنيون وعسكريون عدم إطالة أمد المعركة ويذهبون في قراءتهم إلى أنّها ستحسم خلال أيام قليلة. ويبرز عدد من المراقبين صورة واضحة بأنّ هذه المعركة بحدّ ذاتها انطلقت من مرحلة جديدة تشهد تطورات واتفاقيات تحفّز على الحسم في مواقع عديدة، ومنها هذه البقعة المتصلة بالمدى السوريّ. ما من شكّ في أنّ المعركة لافتة من حيث حجمها والتنسيق الواضح بين الجيشين اللبنانيّ والسوريّ والمقاومة بتجاوز مطلق لكلّ العبارات السياسيّة المعلّبة، لكن، ما هو لافت أكثر بأنّ المعركة ستفرز بالنتائج انعطافات جديدة بدأت تنطلق من عدد من المراجع السياسيّة المعارضة لتصبّ في الداخل الدمشقيّ. وقبل الغوص في تلك الانعطافات، لا بدّ من الإشارة الى انّ نتائج المعارك في سوريا بلوغًا نحو الاتفاقات المبرمة بين موسكو وواشنطن في قمة هامبورغ، مع تقاطع المصالح الواردة بين الأتراك والإيرانيين والعراقيين والروس والسوريين والأميركيين حول الحرب على الإرهاب ليس لها سوى أن تقود نحو تلك السلوكيات، ذلك أنّ نتائج المعارك مكّنت سوريا من أن تستعيد دورها قدر الإمكان. فأي حلّ سياسيّ في الداخل السوريّ يفترض أن ينطلق من الحسم الميدانيّ، والحسم الميدانيّ الرابط بين المفاصل الحدوديّة وفي الداخل السوريّ سيملك تلك القدرة ويوطّد هذه الرؤية ويؤكّد أن الحلّ السياسيّ سيكرّس بصورة قطعيّة شرعية الرئيس بشار الأسد، وهذا ما استبقه رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة إيمانويل ماكرون بخلاف سلفه فرنسوا هولاند الذي رفض الاعتراف بهذه الشرعيّة عينًا، وهذا أيضًا ما تبيّن في فحوى السياسيّة الأميركيّة، في حربها على الإرهاب، وفي التغييرات البادية على استراتيجيّتها وقد نقلها وزير الخارجية الأسبق هنري كيسينجر إلى الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو قبل قمة هامبورغ، وهي فحوى الاتفاق الأخير في هامبورغ.
معركة جرود عرسال والقلمون مضافة إلى بقية المعارك في سوريا تحوي هذا المضمون عينًا، وقد أبانت بعض المصادر المواكبة بدقّة وغير مرّة أنّ النتائج الظافرة ستتحكّم بالمسار اللبنانيّ الداخليّ في التحالفات الانتخابية المقبلة وفي المنطلقات السياسيّة الجديدة كمحتوى لهذا العهد.
على إيقاع معركة التطهير في الجرود، كشفت بعض الأوساط السياسيّة عن انعطافة قام بها الرئيس سعد الحريري تجاه دمشق، حيث أوفد أحد الوسطاء القريبين منه ومن السوريين حاملاً معه رسالة مفادها أن الحريري على استعداد لكي يتحاور معهم والتلاقي وإياهم، وتقول معلومات هؤلاء انّ رئيس القوات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع أظهر الرغبة عينها، فكان الجواب واضحًا من قبل المسؤولين السوريين عليكم كل واحد بمفرده أن تعتذروا من الشعب السوريّ عن الأخطاء التي ارتكبتموها تجاهه. يفسّر بعض المتابعين تلك الرغبة بأنّها تجيء من قراءة دقيقة يجريها الحريري مع مستشاريه، كما جعجع، وقد خلصت بمعظمها إلى الملاحظات الآتية :
1-لن يستطيع الخليحيون السعوديون والقطريون بفعل الاشتباك السياسيّ رعاية الحراك السياسيّ في لبنان والمنطقة، فأوراقهم بمعظمها احترقت، ويتمّ في سوريا كما حصل في الموصل تصفية «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش»، بمعنى أن أوراق القوّة قد سح بعضها وبعضها احترق فكيف التماشي من جديد مع واقع محترق؟
2-لقد نضبت الخزينة السعودية من السيولة بفعل انسكابها في جوف الإدارة الأميركيّة، وبفعل انشغال السعوديين بالحرب اليمنيّة ومن ثمّ بالمشكلة مع القطريين. وعلى هذا فلم يعد بمقدور السعودية تمويل من يؤيدون خطّها سياسيًّا في المطلق.
3-تطغى على الفريقين المذكورين بالإضافة إلى النائب وليد جنبلاط الخبير بالقراءات الاستراتيجيّة حسابات الربح والخسارة، ذلك أن النتائج افرزت وتفرز بفعل خلط الأوراق فريقًا منتصرًا وفريقًا خاسرًا، المسألة عند هؤلاء ليست فقط في النتائج بل في استخراج علاقات جديدة تسهّل اندراجهم وعملهم في الحياة السياسيّة اللبنانية الجديدة ضمن هذا العهد.
4-لن يكون بمقدور أيّ كان مقاومة القوى المولّدة للواقع الجديد باصطفافاته الجديدة أيضًا، فالخيارات حسمت، بعد تسليم هذا المدى لروسيا، واستطرادًا بعد تمكّن الثنائيّ الروسيّ-الإيرانيّ من فرض شروطه في الصراع وفي التسوية المرتقبة في الداخل السوريّ، الواقع الجديد بات مسلّمة راسخة وحقيقة ثابتة لا يمكن إغفالها البتّة من الحسابات على الرغم من الجدلية المستمرة حول العلاقة الأميركيّة-الإيرانية والتي تثيرها أحيانا مواقف صادرة عن البيت الأبيض.
5-لم تتخل المملكة العربيّة السعوديّة في المطلق عن الحريري، وهي تتعامل معه فقط كرئيس لحكومة لبنان، ولا تتعامل معه كجزء منها أو كمدى لحضورها على الرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلها لإعادة العلاقة الى سابق عهدها، فالأبواب أغلقت دونه، وشركته «سعودي - أوجيه» باتت في قبضة وليّ العهد الجديد محمد بن سلمان...
6-سيقرأّ الحريري خلال زيارته المرتقبة لواشنطن علامات الأزمنة الأميركيّة الجديدة، وسيلمس لمس اليد ذلك التغيير في الاستراتيجيا الأميركية تجاه سوريا ونظامها، ليبني حسابات جديدة في العلاقة اللبنانية-السوريّة.
7-إنّ مسألة النازحين سيتمّ حلها مع الحكومة السوريّة بغضّ النظر عن موقف منسوب إلى ولي العهد السعوديّ في حديثه إلى الحريري حول مسألة النازحين في لبنان، مقرونًا بتهديد يوجّه إلى اللبنانيين بأن إعادة النازحين إلى سوريا أو التحريض ضدهم سيواجه بطرد اللبنانيين من الشركات الخليجيّة. وإذا صدقت تلك المعلومة فإن أجواء اخرى أميركية وروسية ستعاكسها من حيث الشكل والمضمون، والسعوديون يدركون حجمهم في اللعبة القادمة.
8-عامل الجيوبولتيك عاد بدوره ليطغى على إعادة الحسابات والاعتبارات، فماذا لو تمّ إغلاق الحدود من قبل السوريين، كيف سيكون الواقع بحال استمر العداء لسوريا ولرئيسها على وجه التحديد وهو المنتصر مع جيشه في كلّ المعارك التي خيضت وفي التسويات المرتقبة؟
9-الانتخابات النيابية هاجس كبير عند معظم الأطراف، وهاجس عند الحريري المتوثّب نحو فوزه فيها على خصومه، والراني إلى ديمومته رئيسًا للحكومة اللبنانيّة في هذا العهد وفي معظم العهود، فكيف يستوي في هذا الموقع إذا استمرّ على خلافه مع سوريا، وإذا لم يوطّد علاقته مع حزب الله حليف سوريا؟
10-الانتخابات الرئاسيّة، وإن كان الخوض فيها والغوص في لججها مبكرًا، بدورها هاجس عند عدد من الموارنة وبخاصّة عند جعجع، فهل يستوي على سدّة الرئاسة بعد عمر طويل للعماد ميشال عون إذا لم يتمتّع بعلاقات رصينة مع القوى المؤثرة في القرار اللبنانيّ وفي ملفاته على وجه العموم؟
11-إن تفكير بعض القوى اللبنانيّة بأن الحلّ الآتي في سوريا سيصب في منطق الدويلات خياليّ في أبعاده، فالهدنة المرساة على الحدود الأردنية-السوريّة هادفة إلى إرساء قواعد حوارية بين الأردن وسوريا، والنتيجة في جرود القلمون وعلى سلسلة الجبال الشرقيّة ستطلّ نحو جنوب سوريا تدريجيَّا كما نحو شرقها. وفي المقابل فإن معركة الرقة ومحيطها ستكون حاسمة لمصلحة الجيش السوريّ كما هي معركة الجرود اليوم.
12-لن تكون إدلب إمارة إسلامية، كما أنها لن تكون رحما لانطلاقة النيوعثمانية الجديدة، ستدخل إدلب في مراحل مقبلة في بازار الحوار الروسيّ - الإيرانيّ - التركيّ، وستكون جزءا من الاشتباك القطري-السعوديّ وتركيا طرف فيه داعم لقطر. إنّ مسألة إدلب ستكون خاضعة لهذه الاعتبارات علما بأن الروس بعد انتهاء المعارك في سوريا سيعكفون على فتح القنوات بين السوريين والأتراك كما تدل بعض المعلومات.
هذه هي الأسباب الموجبة لكي ينطلق عدد من الأفرقاء إلى محاكاة الواقع الجديد، ما طلبته دمشق بحال صحت المعلومات قد لا يستجاب، وعلى الرغم من ذلك فالجميع بات على يقين بأنّ العلاقة مع سوريا لا يجب ان تستمر كما كانت عليه في سنة 2011 بل هناك صفحة جديدة ستفتح مكتوبة بحبر الانتصارات، ومعركة الجرود إحدى علاماتها المضيئة.