لماذا أصدر تيار المستقبل برئاسة الرئيس فؤاد النسيورة بيانه أثناء زيارة الرئيس سعد الحريري إلى واشنطن بالمعاني والأبعاد؟ كان لافتًا هذا البيان ليس فقط في التوقيت بل بالدلالات التي شاءها كاتبوه وقائلوه في لحظة يتجلى فيها النصر في الجرود؟
يؤكّد البيان بحسب المراقبين ذلك البون الشاسع في المفاهيم لقراءة الواقع السياسيّ إسقاطًا للتجليات الساطعة من أرض المعركة، وما بعدها. وقبل الغوص فيها لاحظ المراقبون بأنّ الحريري الموجود في واشنطن لم يبد رأيًا واضحًا تجاه ما صدر عن كتلة هو زعيمها ومؤسسها. وانطلقوا من صمته متسائلين حول ما إذا كان هذا البيان من قبيل تبادل الأدوار بينه وبين فؤاد السنيورة نفسه، أو أنّ فؤادًا يعمد بكلّ ما أوتي من قوّة لعرقلة الحلول الجذريّة بعنوانين مترابطين:
1-حسم المعارك ما بين لبنان وسوريا على طول هذا الخطّ ووصل الحدود اللبنانيّة-السوريّة بالحدود السوريّة العراقيّة مع تحرير ريف دمشق، وهذا يجعل من المنتصرين رقمًا صعبًا لا يسوغ بعد ذلك تجاوزه لا في الواقع ولا في المطلق.
2-تسوية سياسيّة تقوم على نتائج الحسم الميداني ما بين الجرود والداخل السوريّ، وبخاصّة في سوريا، وصولاً إلى رسم خريطة سياسيّة جديدة في الداخل اللبنانيّ تهيمن عليه، وتفرض من باب تلك الهيمنة التي ستكون سلسة وفقًا للأدبيات المتبعة التحالفات الجديدة وموقعها في سيرورة العهد وديمومته وفي إنضاج الرؤى السياسيّة اللبنانيّة على كلّ المستويات بتأثيراتها ومؤثراتها.
ويظهر المراقبون بأنّ الزيارة إلى واشنطن والمتزامنة مع عملية إستئصال الدمل السرطانيّة في الجرود ومن الجسد اللبنانيّ بدورها مفصليّة. ذلك أن  الحريري سيلمس خلال مقابلته لرئيس أميركا دونالد ترامب معالم المرحلة المقبلة في سوريا والمنطقة. يؤكّد المراقبون ومن خلال اتصالاتهم الدبلوماسية مع الدوائر في واشنطن ومع السفارة الأميركيّة في عوكر بأنّ الكلام المؤوّل عن الإدارة الأميركيّة حول مسألة تسليح الجيش غير واقعيّ ولا هو دقيق أو صحيح. فقرار التسليح بالنسبة للأميركيين استراتيجيّ ولا تراجع عنه لكونه يفيدهم في تأمين الاستقرار الداخليّ اللبنانيّ ويفعّل دور الجيش اللبنانيّ في حماية الأمن والاستقرار. سيبصر الحريري هذا الاهتمام بعيدًا عن أي تأويل صادر من هنا أو هناك. لكنّ الاهتمام هذا ليس بما سيفهمه خلال زيارته وفيها أنّ الرئيس الأميركيّ ترامب والإدارة الأميركيّة لن تقف حجر عثرة بوجه كلّ الذين يقاتلون الإرهابيين والتكفيريين في أي بقعة من العالم وبخاصّة في سوريا. هذا الخطاب عينًا يبقى بالنسبة للأميركيين جزءًا أساسيًّا وجوهريًّا من الاتفاق مع الروس خلال قمة هامبورغ  ووفقًا للورقة التي قدمها هنري كسينجر لبوتين في موسكو قبل قمة هامبورغ، ولن يتمّ على الإطلاق الإخلال بمضامين الاتفاق وجوهره.
معنى ذلك سيفهم الحريري بأن ليس من قرار أميركيّ بالمطلق على معاقبة حزب الله، وهذا الجواب الأوّل على نصّ البيان الصادر عن كتلة المستقبل برئاسة السنيورة، ولن يتمّ، بالتالي، التطرق إلى العقوبات المالية على حزب الله بمعنى أن سيتمّ غضّ الطرف عن ذلك وهذا الجواب الثاني على البيان الصادر والمنشور، أمّا الجواب الأكثر فصاحة وشموليّة بأنّ الإدارة الأميركية ومن ضمن الاتفاق بينها وبين روسيا تتعاطى مع الرئيس بشار الأسد في سوريا كمعطى رئيسيّ وجوهريّ يرتكز عليه مستقبل سوريا، بمعنى بأن الحريري سيلمس بأن مستقبل سوريا يستكمل برئاسة بشار الأسد، ولكن بتسوية سيكون عنوانها مشاركة الجميع في حكومة وحدة وطنية تشمل كلّ المكونات والأطياف والأحزاب في سوريا.
لن يكون الحريري بحسب المراقبين مسرورًا تجاه هذا الانقلاب الجذريّ في السياسة الأميركية المتماهية والمتماشية مع واقع الاتفاق الأميركيّ - الروسيّ، غير انّه سيضطر للتعاطي مع مضمونه بواقعيّة لتثبيت خطواته ودوره في مستقبل لبنان ضمن استمرار هذا العهد برئاسة العماد ميشال عون. بالنسبة لما سيلمسه الحريري، ستتجه المنطقة كلّها إلى تسوية شاملة لها عنوانان رئيسيّان:
-العنوان الأوّل: التسوية السياسيّة النابعة من الحسم الميدانيّ. ستؤكّد التسوية بأنّ الحل ليس بدوره فدراليًّا ولا كونفدراليًّا بل سينطلق من شراكة بين الدولة والمعارضة. لقد قدّر روبرت فورد السفير الأميركيّ السابق في سوريا، وخلال حديثه الصحافيّ الأخير، بأنّ الاتجاه الأميركيّ مع الأتراك والإيرانيين والعراقيين والسوريين والروس هو برفض دولة كرديّة. لقد اتهم فورد الإدارة الأميركيّة بأنها تتعاطى بقلة وفاء وأخلاق مع الأكراد في سوريا ودعا الأتراك بدوره إلى عدم الثقة بهذه الإدارة الأميركيّة لأنها ستعمد إلى توقيع وثيقة تنهي قيام دويلة لهم في مناطق الرقة ودير الزور ومحيطها.
-العنوان الثاني: إعمار سوريا، لبنان مدعوّ في حقيقة الأمر ليكون منصّة دسمة لإعمار سوريا. الشركات الأميركيّة والروسيّة والأوروبية منكبة وعاكفة على وضع استراتيجياتها ومشاريعها لإعمار سوريا. وبالتالي، سيكون لبنان مقرًّا لتلك الانطلاقة، إذ إن شركات لبنانيّة قفزت فوق السياسيّات والمصنفات السياسيّة المتبّعة في معظم الخطابات، وراحت تعكف بدورها على رسم استراتيجيتها ومشاريعها تجاه عملية الإعمار في سوريا. فلبنان هو الأقرب، وثمّة دعوة بدأ يطلقها عدد من رجال أعمال للحريري ولكل معارض لسوريا بأن يعقلوا ويهدأوا وينسجموا مع الواقعية الدولية في نظرتها للمدى السوريّ وفي نظرتها حتى لشمولية الحلول في المنطقة بأسرها. ويرى هؤلاء بأن مصلحة لبنان بأن لا يستكمل مشروع العداء مع سوريا بسبب ماض لم يعد الغوص به والعزف على أوتاره واللعب بمفرادته مربحًا ومريحًا، وليس هو مكسبًا ولم يعد يصلح برأي هؤلاء حتى لاستنهاض الرأي العام بخطابات شعبويّة متزايدة لا تشبع جائعًا ولا تخبز رغيفًا، بحال قرّر السياسيون المعارضون، الاستمرار بها. بل ما يفيد هو التسالم من جديد مع السوريين، والانطلاق نحو حالة جديدة تتيح للجميع المشاركة بعماية الإعمار كما تتيح لليد العاملة اللبنانية المشاركة مع اليد العاملة السورية بالإعمار، فسوريا ستكون بحسب تقديرات كثيرين وبحسب دراسات بدأت نقدّم دبيّ جديدة داخل المشرق العربيّ.
إنّ بيان كتلة المستقبل بحسب المراقبين يعرقل هذا الاتجاه الناضج، فبحال كان بمثابة بيان يتصدّى للتسوية فهو سيكون مجرّد نصّ كتب بلا تأثيرات سواءً في الداخل والخارج، إذ لن يستطيع أحد الوقوف بوجهها، وإذا كان بمثابة رسالة للأميركيين وغالبًا هي هكذا ليقولوا بأنّ لا علاقة لهم بما تقوم به المقاومة في الجرود وهم لم يسوغوا لها ذلك، ولا يعترفون بها، في حين أن الأميركيين على بينة من الأمر وهم لن يواجهوه ولم يواجهوه، بل على العكس تمامًا فهم متفقون مع الروس على الخطوط العريضة في معركة القضاء على الإرهاب. أمّا إذا كان من باب «القوطبة» فإنّ هذا البيان لن يجد صداه، لن يجد جيفري فيلتمان ليسوق له داخل الإدارة الأميركيّة، فمنظومة الفوضى الخلاّقة قد انتفت، وصلاحيتها قد انتهت، وباتت بدورها وبالاً على الأمن الدوليّ برمته إذ لم تنتج سوى الفشل تلو الفشل.
وفي كل الأحوال سينتظر اللبنانيون توضيحًا للحريري، لكن لن يكون هذا كافيًا فإنّ ما سيقوله الحريري، إمّا أن يكون منسجمًا مع المرحلة المقبلة بكلّ بساطة أو أنّه سيدخل لبنان في صراع بل انقسام سياسيّ عموديّ وهذا ما يأباه هو كما يأباه رئيس الجمهورية العماد عون، النتائج الميدانية في الجرود ستفرض هيبتها وستكون هي الكلام وهي الشريعة السياسية الجديدة.