اذا كان رؤساء الجمهورية اللبنانية قد افتقدوا الهالة في زمن الوصاية السورية مقارنة بأسلافهم الذين شغلوا الكرسي الاولى منذ الاستقلال وحتى نجد «اتفاق الطائف» الذي جرم صلاحيات رئاسة الجمهورية وكاد يحول الموقع الرئيس في الدولة الى موقع بروتوكولي، فان وصول الرئيس العماد ميشال عون الى القصر الجمهوري قلب الموازين على هذا الصعيد بحيث يسعى بما تبقى لموقعه من صلاحيات رئاسية ان يستعيد الهالة والهيبة اللتين عرف بهما الموقع الاول في الدولة وذلك بعمله على ترك بصمة عميقة تسجل له في عهده الرئاسي وفق الاوساط المواكبة للمجريات بتدخله المباشر في حسم الملفات الخلافية مع المحافظة على دوره كحكم وليس كفريق، ولا سيما ان بعض السياسيين غالباً ما تعاملوا مع الموقع الرئاسي وخصوصاً في زمن الوصاية على خلفية انه لزوم ما لا يلزم كون الكلمة الاولى والاخيرة كانت لوالي عنجر سواء على صعيد صناعة الرئيس او على صعيد انتاج النواب والوزراء وحتى النواطير.
وتضيف هذه الاوساط ان عون اعاد الى الموقع الاول في الدولة هيبته وبريقه ولو بالقليل الذي يملك وجعل منه خطاً احمر لا يستطيع ان يتجاوزه احد على الرغم من ان صلاحيات الوزير في وزارته اهم بكثير مما تبقى من صلاحيات للرئاسة الاولى، وربما من هذه الزاوية غالباً ما اختلف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقاربة الملفات وما زاد الطين بلة ان الرجلين من قماشتين مختلفتين شخصية وطباعاً ومزاجاً الا انهما ومهما بلغت الخلافات بينهما في مرمح السياسة لم يقطعا شعرة معاوية كونها اذا انقطعت فعلى الارض السلام وما على الساكنين الا الرحيل.
وتشير الاوساط الى ان اعتذار بري عن حضور اللقاء الذي دعا اليه عون في بعبدا لمناقشة الخلاف حول سلسلة الرتب والرواتب حلقة من حلقات التجاذب بين الرئاستين تضاف الى سلة من التباينات بينهما في لعبة شد الحبال التي انطلقت عشية عودة «التسونامي» من منفاه الباريسي، حيث شكلت جزين حلبة المنازلة الاولى بينهما حيث ربح عون معركة سحب هذا القضاء الانتخابي من ظل عباءة المصيلح التي كانت لها الكلمة الفصل في المرمح الانتخابي وصناعة نوابه.
اما المنازلة الكبرى بين عون وبري فقد تجسدت في معركة الرئاسة الاولى حيث دعم بري ترشح النائب سليمان فرنجية وكانت معركة «الورقة البيضاء» وما احاط بالجلسة من ملابسات كادت تخرج عون من ثيابه ومن الجلسة الا انه في النهاية تخطى الرجلان الامر على قاعدة عفا الله عما مضى واعلان بري استعداده للتعاون مع العهد، وجاءت دعوة بري لجلسة نيابية في اطار التمديد للمجلس وتحديد موعدها لتدفع عون الى لعب ورقة من صلاحياته ادت الى تعليق اعمال المجلس النيابي مدة شهر بهدف حشر الجميع لاقرار قانون انتخابي يعتمد النسبية بعدما تنكر الجميع لقانون الستين الا النائب وليد جنبلاط، وكانت النتيجة ولادة قيصرية للقانون الانتخابي الجديد العصي على الفهم حتى لدى صانعيه، واذا كانت سلسلة الرتب والرواتب التي اقرها المجلس النيابي بالتصويت وارسلت الى القصر الجمهوري ليوقعها عون، الا ان الاخير سبق له قبل اقرار السلسلة المطالبة باقرار الموازنة ومن خلالها يتم وضع ايرادات الدولة الضريبية التي تتيح تغطية السلسلة بحيث لا تغرق المواطنين لا سيما ابناء الطبقة الوسطى والشعبية في بحر الفقر، ويبدو وفق المراقبين ان الجميع في مأزق فعون لا يريد ان يرد مشروع السلسلة الى المجلس لدراستها مجدداً ولا يريد توقيعها وفق المدة الدستورية اي الشهر قبل ان تصبح نافذة بعده، ربما لاستنباط حل معجزة في زمن ندرت فيه الاعاجيب، فبري مصر على السلسلة كون المجلس النيابي سيد نفسه وسبق له وان اتخذ قراره حيالها وصوت لمصلحتها نواب كتلة «الاصلاح والتغيير» فهل تقع الواقعة بين القطبين في مرحلة هي الاكثر استثنائية في تاريخ البلد والمنطقة؟