اسبوع بالتمام والكمال انقضى على عاصفة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من دون ظهور اي تغيير في موقف المصرين على اعتباره «اسيرا ومعتقلا» في المملكة، على رغم الاستنفار السياسي الرسمي على اعلى المستويات وبلوغ اصدائه الدول العظمى التي فتحت خطوط تواصلها واتصالاتها مع المعنيين في المملكة املا في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وعدم انفجار الصراع الاقليمي السعودي- الايراني في بيروت.
ورغم التطمينات التي حملتها البيانات الدبلوماسية التي اصدرتها معظم وزارات الخارجية الغربية الأميركية منها والأوروبية،جاء كلام رئيس الجمهورية كمؤشر الى مواجهة دبلوماسية متوقعة بين بيروت والرياض على وقع الإتهامات اللبنانية للسعودية بأنها ماضية باحتجاز الرئيس الحريري. فبعد غمز وهمس رئيس التيار الوطني الحر من قنوات المملكة منذ ايام وكلام رئيس الجمهورية الواضح بالامس عن «اعتقال» الحريري، يبدو ان البرتقاليون قرروا التصعيد في وجه السعودية، اذ اعتبرت مصادرهم ان احتجاز رئيس حكومة لبنان واجباره على الاستقالة جاء بعد رفض الشيخ سعد «وانتفاضه» ضد قرارات الرياض التي لم يرقها على ما يبدو ان يكون الحكم والحكومة في لبنان سيدا انفسهما ولا يتلقيان الاوامر او يعملا لدى الخارج ،ايا كان هذا الخارج، وان يبديا مصلحة لبنان على اي اعتبار آخر، لذلك جاءت الاستقالة بهذا الشكل «المذل» لممثل السنة، من طرف يدعي الحرص على كرامة تلك الطائفة، معتبرة ان الدولة اللبنانية لا يمكن تحت اي ظرف ان تقبل بالانتقاص من كرامتها الوطنية وتهديد امنها القومي عبر اعتقال رئيس حكومتها.
ونصحت المصادر الرياض بالعودة الى «صوابها» وعدم المغالاة في التعاطي الفوقي مع الدولة اللبنانية ورموزها ومنهم الرئيس الحريري لان ذلك سيرتد عليها بداية وقبل كل شيىء في الشارع السني الذي لن يقبل ان يحتجز ممثله ، مذكرة قيادة المملكة بان لبنان ليس ساحة لتصفية حسابات التوريث والتمليك، التي تبقى شأن العائلة المالكة نفسها وداخل بيت آل سعود، محذرة من ان الاستمرار في «اعتقال» الشيخ سعد سيدفع ببيروت الى تقديم شكوى لمجلس الامن ضد المملكة.
وذكرت المصادر بان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم قرر ان تكون اول زيارة خارجية له الى المملكة، خلافا لرغبة حلفائه بل ربما رغما عنهم، لم يقم بتلك الخطوة من باب الاستسلام او الرضوخ، انما لانه اراد ان يفتح صفحة جديدة مع المملكة وان يعزز موقع شريكه في السلطة التنفيذية، وهو ما يمكن ان تكون الرياض قد فهمته خطأ، مشيرة الى ان التيار كان يتمنى لو ان البطريرك الماروني يلغي زيارته الى المملكة في ظل الظروف الحالية، خصوصا انها على ما يبدو مصرة على فتح الحرب ضد اللبنانيين جميعا مهددة بالثبور وعظائم الامور، الا انه يبقى في النهاية سيد قراره ومسؤول عن قراراته ومواقفه،معيدة التاكيد ان رئيس الجمهورية لن يرضى باستهداف اي مكون لبناني تحت اي ظرف كان فهو من كل لبنان ولكل لبنان، محذرة من اي دعسة ناقصة لتحريك الشارع او هز الاستقرار الامني في البلد لان عين المؤسسات الامنية ساهرة وقرارها واضح والغطاء السياسي لتحركها بات اقوى وافعل من  السابق.
واكدت المصادر ان المملكة ستفشل مرة جديدة ولن تنجح في تحقيق اهدافها ، ولن ينفعها اللعب على وتر «التناقض» المسيحي المسجد بين التيار والقوات اللبنانية والذي حاولت استثماره في دعوتها لرئيس الحزب الدكتور سمير جعجع الى السعودية، مراهنة على ان وعي اللبنانيين ومناعتهم الداخلية اكبر من اي مؤامرات.
من جهتها ابدت اوساط مقربة من السفارة السعودية في بيروت دهشتها من كلام رئيس الجمهورية خصوصا ان السفراء الذين اجتمعوا اليه ابلغوه بتقارير حكوماتهم حول مصير الشيخ سعد الذي يبقى حر في قرار العودة ساعة يشاء، سائلة في هذا الخصوص لماذا رفض الرئيس عون الاستجابة مع المبادرة السعودية وتلبية وزير الخارجية لدعوة زيارة الرئيس الحريري والوقوف من المملكة على وضعه، معيدة ان التاكيد ان رئيس التيار الوطني الحر لطالما طلب مواعيد لزيارة المملكة ووسط الكثير من سعاة الخير قبل وبعد وصول العماد عون الى بعبدا.
واسفت الاوساط للدرك الذي وصلت اليه لهجة التخاطب والاتهامات، مبدية فرحها للتعاطف مع الرئيس الحريري الذي طالما اتهم بانه ابن السعودية واتهامه بانه حتى لا يستحق الجنسية اللبنانية، آملة ان يبقى رئيس الجمهورية على مسافة واحدة من الجميع وفقا للتعهدات التي قطعت والتي على اساسها تمت الصفقة الرئاسية، محذرة من اي لعب على وتر العلاقة بين المملكة واللبنانيين، فهي لطالما شرعت ابوابها امامهم للعمل، ولطالما ساهمت في تقديم كل اشكال الدعم للبنان، مطمئنة الى ان لا اجراءات انتقامية بحق اللبنانيين، انما المقصود حزب الله الذي اختار ان يكون اكبر من لبنان وعليه ان يتحمل نتيجة هذا الخيار وكذلك الدولة اللبنانية في حال ارادت تغطية اعتداءاته وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الاخرى.
وحول زيارة البطريرك الراعي، ذكرت الاوساط بان من الزيارات النادرة للملك سلمان للخارج كانت زيارته الرسمية للفاتيكان ولقائه البابا لاكثر من ساعة حيث كان اتفاق على ضرورة التعايش واحترام الاختلاف، وما «الثورة البيضاء» اليوم الا دليل على ذلك، وزيارة الكاردينال الراعي تاتي تحت هذا العنوان، فالمودة والاحترام قائمة بين المملكة وبكركي، ولولا الموقف الشجاع للبطريركية المارونية لما كان بالامكان وقف الحرب عام 1990 والسير بالطائف الذي لم ينفذ بحسب الاصول، بعدما نجح اصحاب سلطة الامر الواقع يومها بضرب مقام بكركي.