ليس حدثاً عادياً ان يزور رأس الكنيسة المارونية المملكة العربية السعودية وان يدخل مملكة المسلمين وعلى صدره يعلو الصليب برمزيته المسيحية، لكن ما ليس عادياً ان تحصل الزيارة في هذا التوقيت بالذات ايضاً الذي تشهد فيه المملكة السعودية كل هذه التطورات من توقيف أمراء ومسؤولي دولة كبار وفي وقت حصل ما حصل في السعودية من انقلاب سياسي عقب تقديم الرئيس سعد الحريري استقالته في ظروف غامضة وملتبسة لم تنفع معها التوضيحات ولا الكلام ولا البيانات والمقابلات التلفزيونية لاماطة اللثام عن كامل الحقيقة. فالحدث على اهميته واهدافه ومضامينه باعتباره حواراً بين الحضارات والأديان تزامن مع الاستقالة المدوية للحريري من الحكومة اللبنانية التي احدثت زلزالاً وتبعات وقد يليها ما هو دراماتيكي ومأسوي اكثر، إلا انه طرح تساؤلات حول جدوى وما ستحققه الزيارة خصوصاً ان المملكة تستمر بسياسة التهديدات والتهويل بترحيل لبنانيين، وبان الآتي اعظم وبانها  تحتجز وفق الاوساط الرسمية اللبنانية رئيس الحكومة منذ حوالى الأسبوع، الى حد ان فريقاً اعتبر الزيارة بانها مباركة من الراعي للخطوة السعودية بفرض الاستقالة على الحريري.
واذا كانت بعبدا رفضت تقييد حركة الراعي وتركت حرية القرار له فلم يطلب منه رئيس الجمهورية شروطاً معينة ولم يطلب منه إلغائها ايضاً فان ذلك لا يعني ان الزيارة لم تأت في توقيت محرج ودقيق على وقع المتغيرات في المنطقة وما يمكن ان تؤدي اليه التطورات عقب التحولات الأخيرة في الموقف السعودي المتشدد.
وفيما رشح ان الجانب السعودي وضع برنامج استقبال محاطاً بالحفاوة لسيد بكركي الذي يرافقه وفد اعلامي رفيع، فان ذلك لا يعني ان ليس هناك من مخاوف من امكانية تفخيخ الزيارة من الناحية السياسية، فلا يعود الراعي بضمانات سياسية حيث لا يزال ثمة مخاوف وهواجس تتعلق بترحيل اللبنانيين من المملكة في اعقاب التصعيد السعودي علماً ان تمنيات كثيرة وصلت الى بكركي من لبنانيين مقيمين باستعجال الزيارة وحضوره على وجه السرعة. بعبدا وقفت على الحياد في موضوع الزيارة وقد تركت لسيد بكركي كل الخيارات وما يراه مناسباً وان كانت مجموعة واسعة من الشخصيات المسيحية لا تحبذ الزيارة.
وبحسب اوساط مطلعة فان بعبدا لم تحمل الراعي اي رسالة من رئيس الجمهورية الى المملكة ولا الى رئيس الحكومة سعد الحريري الذي قد يلتقيه الراعي وقد لا يلتقيه، بانتظار ما ستؤول اليه التطورات خصوصاً وان اي تصعيد من رئاسة الجمهورية لم يحصل ضد السعودية بل ان رئيس الجمهورية لا يزال يتريث وينتظر مسار الامور.
بدون شك فان محادثات البطريرك الراعي مع المسؤولين السعوديين ومع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ومع خادم الحرمين الشريفين يمكن ان يتخطى العلاقات التاريخية بين البلدين والروابط بين الشعبين الى أزمة الاستقالة وظروفها وتداعياتها وان كان عنوان الزيارة والدعوة السابقة للحدث في اطار مختلف، وبالمؤكد فان الراعي سوف يمرر للسعوديين مواقف وظروف لبنان وخصوصياته وتوازناته الدقيقة والمعقدة، لكن السؤال هل يوفق الراعي بزيارته في احداث خرق في جدار الأزمة ام ان ما اتخذ من قرارات خطيرة في المملكة تستهدف لبنان واللبنانيين قيادة وشعباً صار صعباً الرجوع عنه، وقد سبق السيف العزل، فيعود سيد بكركي بـ «لا شيىء» في السياسة فيكون رئيس الجمهورية على حق في تقدير حراجة الزيارة وتوقيتها غير المناسب، علماً ان رئيس الجمهورية قبل سفر الراعي لم يلزم رأس الكنيسة المارونية بأي موقف لكنه كان واضحاً بأنه يشعر بالغموض والالتباس في ما حصل، وبانه لا يقبل باي رسالة شفهية او بالصوت والصورة بل ان الرئيس يريد ان يسمع مباشرة من الحريري قرار الاستقالة ووجها لوجه وليس من خلال شاشات الاعلام.
بالتأكيد فان الاستقبال والتكريم للراعي سيكون مميزا واستثنائياً وفوق العادة لكن من الصعب وفق اوساط مطلعة معرفة ما اذا كان ولي العهد الذي اتخذ اجراءات تستهدف مسؤولين كبار في المملكة بالاعتقال والاقامة الجبرية، سيسمح بالبحث في ترتيبات خاصة بالمسيحيين والعاملين بالمملكة او في ما خص وما يتصل بممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية، لكن اهم ما في الزيارة انها تحصل وسط العاصفة السعودية التي هبت على لبنان فهل يستعمل الراعي مفاعيل سحرية لاستمالة القيادة السعودية وزرع التساهل وترك الملف اللبناني بسلام وعدم تأزيم الوضع اكثر، وهل تؤسس الزيارة لتواصل مختلف فتكون بكركي صلة الوصل لما انقطع في السياسة.