إذا كان لا بد من توصيف يعطى للمرحلة السياسية اليوم فهي انها مرحلة «سعد الحريري» وحده تقريباً ، فكل شيء في الحياة السياسية يدور من حوله والبلاد تعج باخباره بما فعله وقاله وبكل تحركاته ، حتى انه حجز لنفسه  مساحات من الاهتمام على الساحة الدولية والاقليمية ، ليصبح الحريري مالىء الدنيا وشاغل الناس. بدون شك فان يوم 4 تشرين الثاني كان مفصلياً في تحول سعد الحريري من الحريري الأول الى الحريري الثاني، غادر الرجل على وجه السرعة الى الرياض تلبية لاستدعاء عاجل ليتحول في غضون ساعات الى محتجز لديها يتلو بيان استقالته من الحكومة اللبنانية في الظروف المعروفة ، الى ان عاد نتيجة الضغوط الدولية ونتيجة اتصالات رئيس الجمهورية  محبطاً الانقلاب الذي أعد له في المملكة ليجلس الى جانب الرؤساء على منصة الاستقلال وليطلق تريثه عن الاستقالة كما اراد الرئيس عون ، ومنذ عودته التساؤلات ترافق مسيرة الحريري عن خطة عمله المستقبلية والتسوية السياسية التي سينجزها بموازاة السؤال عن تصرف الحريري مع حلفائه واخصامه ، هل ينتقم الحريري ممن «غدر به» ام يكتم ما في سره  ويترك الباقي لما تقرره الأيام ؟  انطباعات من تسنى لهم  الاطلاع على جزء مما يحصل في بيت الوسط  مؤخراً يتحدثون عن حريري آخر مختلف منبثق من أزمة الرياض ومفاعيلها التي صقلت الحريري بمرارة السياسة وتقلباتها ، فالتجربة وضعت شخصيات مهمة من حول الحريري في دائرة الاتهامات والشكوك ، بينهم المتهم والمشترك بالاعداد للمؤامرة ومن قام بادوار جانبية وذات صلة اخفها غض النظر في الأزمة وتحميل الحريري تبعات انحيازه الى حزب الله ورئيس الجمهورية.
سعد الحريري الذي استجمع كامل قوته مستنداً الى الدعم الخارجي والتضامن الداخلي حوله انتقل الى نقطة الهجوم وتدارك المسائل وتوضيبها حتى لا تصبح كارثية اكثر، ويتحدث قريبون من الحريري عن اجراءات حصلت او تحصل بدون اثارة عواصف لتطهير المستقبل وتنظيم وتسيير اموره ومحاسبة من أخطأ مع سعد الحريري ، ويتحدث هؤلاء عن مجموعة من المغضوب عليهم  من الفريق المحيط والذي يلازم الحريري منذ عودته من الرياض حتى اليوم، وبحيث بات ما يقوله هؤلاء مسموعاً فقط من الحريري. من دون غيرهم،  وقد كشفت اجتماعات الحريري بالمقربين منه خيانات فريق مقرب منه وعليه  فان الحريري  قرر ان يترأس وحده اجتماعات كتلته النيابية وبذلك يكون وجه رسالة الى الرئيس فؤاد السنيورة حيث تؤكد اوساط الحريريين ان الأمور سيئة جداً بين السنيورة والحريري ، كما ان رئيس تيار المستقبل ليس راضياً عن أداء وزير الاتصالات والخلاف او عدم الرضى سابق لليوم ، في حين ان مواقف بعض المحللين او نواب وقيادات في التيار هي تحت المجهر حيث سيبنى عليها في المستقبل لاتخاذ القرارات في شأنها.
لا يخفي من هم في المستقبل ايضاً ان رسائل قاسية وجهها الحريري لرئيس كتلته النيابية وكأنه يتقصد احراجه لاخراجه في اكثر من محطة وامام كثيرين حيث ان ملف السنيورة بات كبيراً لدى الحريري ، ولكن عملية اخراج السنيورة ليست سهلة نظراً لحجمه ووزنه السياسي في المستقبل وكونه رئيساً سابقاً للحكومة وله حيثية سياسية معينة . لكن على ما يبدو فان الحريري وصل الى مرحلة اللارجوع عن قراراته ،   فالسنيورة سبق ان قام بالكثير من الخطوات  التي استفزت واخرجت الحريري من صوابه ، فهو عندما انعقدت القمة العربية وقع على الرسالة الشاكية الى القمة مع  الرؤساء  الخمسة «ميشال سليمان وأمين الجميل ونجيب ميقاتي وتمام سلام» بدون علم الحريري، الأمر الذي سبب له اشكالية كبيرة معه،  في ذلك الوقت بعدما تبين ان الحريري  أحرج مع الرئيسين عون وبري  في مضمون الرسالة التي وصلت من رئيس كتلته النيابية من دون علمه، وحيث كادت  الرسالة المشبوهة التي تجاهلتها القمة تتسبب بتداعيات على علاقات الرؤساء الثلاثة  والتشويش على مهمة الوفد اللبناني المشارك في القمة   ومشاركة رئيس الجمهورية فيها ايضاً، لكن الحريري احسن الالتفاف والتنصل من تلك الرسالة وتوقيع رئيس كتلته عليها بموقف موحد مع رئيس الجمهورية في حينه.
لطالما تبين من مجريات الاحداث  ان الحريري  ليس مرتاحاً  الى رئيس كتلته النيابية  الذي لم يتقبل يوماً انجاز  التسوية الرئاسية، كما ان السنيورة  كثيراً ما ابدى انزعاجه امام مقربين من احاطة الحريري من قبل «تريو»  او فريق عمل  الحريري وقوامه الاساسي او رجاله «نادر الحريري ونهاد المشنوق وغطاس خوري» مما أزعج السنيورة الذي وجد نفسه خارج دائرة القرار وهو الذي يعارض كل التسوية التي أوصلت عون الى بعبدا والحريري الى السراي .
اكثر من مرة وجد الحريري نفسه  ملزماً على اتخاذ  قرار في شأن السنيورة على اعتبار ان «شطحاته» لم تعد مقبولة  وانه بات أقرب الى بداية تمرد أشرف ريفي او خالد الضاهر وغيرهم فيما الحريري يرسم مسار العودة الى السراي في الحكومة الثانية من عمر العهد وعلى ما تبدى فان السنيورة لم يحسن  قراءة دفتر الشروط الذي وضعه الحريري للمرحلة الجديدة ولم  يحاول ان يضبط نفسه عن مهاجمة خيارات الحريري  ومواقفه لكن الحريري لم يتجرأ ابداً في السابق على خطوة عزل السنيورة او طرده قبلاً . 
وعليه ثمة من يقول في المستقبل ان السنيورة «حفر قبره بيديه الاثنين» واستدرج نفسه الى نهايته السياسية قرب رئيس الحكومة في الوقت الذي  كانت تتوالى وتتكاثر فيه الوشوشات في أذن الحريري لإخراجه وابعاده منذ فترة ولكف يده سياسياً وعن الملفات الاقتصادية والمالية وسياسة المستقبل التي يديرها الحريري شخصياً مع المجموعة المعروفة حوله .
اقصاء السنيورة  عن المستقبل اذا حصل اليوم  قد يكون وفق مستقبليين عاملاً مريحاً له  او خدمة له ، فالسنيورة لا يستطع ان يحتمل كل المشهد من حوله ،  الانسجام بين الرئاستين وما يحصل على الساحة وهو خارج الاضواء السياسية والمعادلة الراهنة بين السراي وبعبدا ، وبالتالي فان السنيورة في تماديه وتصرفاته بدون التنسيق مع احد بدا  كأنه في افعاله يوحي بانه لم يعد لديه ما يخسره ولذلك  كان يحاول التمايز قبل المغادرة ربما او انشاء حالة خاصة يتفرد بها عن اترابه من موقعه المتمايز اصلاً كرئيس حكومة سابق .
 بدون شك فان الحريري لن يسمح للسنيورة بعد اليوم بتكرار فعلته ،  فرئيس الحكومة  خضع لتجربة قاسية في المملكة السعودية ، وهو قبلاً ابتعد عن الوطن وتُرك  تياره السياسي طيلة تلك السنوات بين «فكي التنين» ، فهو ترك اركانه وصقوره يصولون ويجولون ويصعدون المواقف وهو مرتاح البال بان  الخطة الانجح للمتابعة وفي يقينه ان الثأر صار بين يديه ممن اخرجوه من الساحة السياسية ، لكن احداً من صقوره لم يخرج لترتيب الاولويات له بل عمل كل فريق على تحسين وضعيته السياسية.  فالحريري اليوم وبعد مراجعة شاملة للماضي قرر السير بالنهج الجديد الذي وضع اسسه واضعاً خطاً أحمر وهو الاستقرار السياسي  وكل شيء غيره قابل للنقاش والموافقة،  وهو يتكل على «نهاد المشنوق نادر الحريري، غطاس خوري، وباسم السبع « اي  الفريق المصغر الذي مهد ونسق للتسوية الرئاسية و لعودة الحريري الى الساحة السياسية، بعد ان  نجح تضامن الفريق في  فك أسره ونقله  من ضفة الى اخرى وتغيير موازين القوى وتأمين العودة الآمنة من المملكة، وساهم هؤلاء في الماضي في اعادة فتح ابواب السراي امام سعد الحريري وبات اسمه مقبولاً من الجميع ولم يعد الحريري ذلك «البعبع الفاسد» الذي اكل مال الدولة وبات بالنسبة الى رئيس الجمهورية يليق به وصف «الآدمي».