بعدما أثارت وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية عناية عزالدين اشكالية منع المحجبات التقدّم الى وظائف في القطاع العام الّا عند ازالة الحجاب، على طاولة مجلس الوزراء، باعتبارها تتناقض مع الحريات الشخصية والدستور، جاء الرد سريعا من رئيس الحكومة سعد الحريري الذي أصدر على الفور تعميماً بعدم منع المحجبات من حق حصولهنّ على الوظائف عامة. استطاعت مسؤولة في السلطة تسليط الضوء على قضية هامة، واستجابة الجهّة المعنيّة لها بشكل لافت، لكن من يحمي المحجبات في القطاع الخاص والأماكن العامة؟ 

صحيح ان لبنان رمز الانفتاح والتنوّع والتعايش المشترك، وانه يضم شعباً من مختلف الجنسيات والطوائف والأديان والأعراق، لكن مرض العنصرية والطائفية لا يزال متغلغلاً عند فئة كبيرة من اللبنانيين الذين لا يزالون منغلقون على من هو مختلف عنهم بالديانة أو العرق. وشهدت الفترة الاخيرة مضايقات عدة طاولت العاملات الأجنبيات، والفتيات اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة، وخصوصا في بعض المنتجعات السياحية البحرية، إذ منعن من السباحة على سبيل المثال، أضف إلى الطالبات الجامعيات.

جال "ليبانون ديبايت" على أكثر من جامعة ومهن خاصة للاستفسار عن وضع المحجبات، وانواع المضايقات التي يتعرّضن لها يوميّا. في معظم المناطق ذات الطابع الديني الاسلامي المهيمن كانت ردود الفعل أكثر من عادية، وفي الجامعات وحقول العمل، لكن المضايقات ارتفعت معدلّاتها في المناطق ذات الهيمنة المسيحية.

وشهدت بعض الجامعات الخاصة مضايقات لطالبات محجبات، ليس فقط من زملاء بل من اساتذة ودكاترة من المفترض ان يكونوا صورة تعكس الانفتاح والحضارة، ما اثار بلبلة أكثر من مرّة. لكن بعض الجامعات بادر بأخذ إجراءات بحق من أهان الحجاب.

لكن المعاناة الأكبر أثناء التقدم الى وظيفة. تقول زهراء احدى المحجبات "نواجه صعوبة لأنه غير مرغوب بنا. أصبحت معايير التوظيف عامة ترتكز على الشكل الخارجي والشعر والملابس والتبرّج، مهما كانت طائفة رب العمل. لذا يُدرج شرط ان تكوني غير محجبّة لنيل الوظيفة. اصواتنا وحدها لن تحرك ساكنا، نحن بحاجة لوضع حد لهؤلاء بالقانون".

بدورها، تقول منال (محجبة) تعمل محاسبة في أحد اهم الأفران، وسط كسروان، "في البداية عانيت كثيرا ليتقبلوا وجودي في العمل. علامات الاستغراب كانت تظهر على وجوههم عند رؤيتي. سمعت كلاما مهينا أكثر من مرّة، ونعت أحدهم حجابي بالمنشفة، الاّ ان احدى زميلاتي في العمل من الطائفة المسيحية هي التي هاجمت الرجل واهانته مدافعة عني وعن حجابي".

أما ارباب العمل، أوضحوا أنه "ليس لدينا مشكلة في توظيف محجبات لكن ليس كل الزبائن يتقبّلون الأمر، لذا نفضل عدم توظيفهنّ". استفز هذا الجواب البعض الذين اعتبروا ان التقليل من قيمة الحجاب وعدم احترامه هو اهانة. قد يتقبل البعض ويرحب ويحترم الحجاب حتى وإن لم ينتمي للطائفة الإسلامية، لكنه يخاف من المجتمع ككل ازاء تقبّل المحجبات، فيعمد إلى تنفيذ ما يريده المجتمع تبعاً لمصلحته.

هذا النوع من العنصرية والطائفية لا يُمثّل اي من الطائفتين، بل يمثّل الشخص العنصري وحده وتفكيره الخالي من قيم احترام الآخر وتقبل الاختلاف. في المقابل، تتميّز المحجبات بجمال عقولهنّ وتفكيرهنّ وقوة شخصيتهنّ، باعتبارهنّ عنصراً فعّالاً في هذا المجتمع. فهل نشهد قريباً على تعميم رسمي من قبل المعنيين يتيح للمحجبات العمل في القطاعات الخاصة كما العامة، بكل حضارة وانفتاح؟


"ليبانون ديبايت" - كريستل خليل