ارومة حزب الله صلبة وضاربة في الأرض، وبفعل الصلابة وتجسيدها فقد تحوّل بمنطلقاتها ومندرجاتها ضرورة استراتيجيّة لجميع المكونات المشرقية في لبنان وسوريا والعراق، كما أمسى بدوره ضرورة استراتيجيّة للأمن العالميّ.
حزب الله يخوض معارك استراتيجيّة مغروسة في الأبعاد الجيوبوليتيكيّة، لقد ثبت بأن ليس من منطقة منفصلة عن الأخرى، كما ليس من مكان منفصلاً عن مكان آخر. لم يخطئ الزعيم أنطون سعادة بتركيزه في هذا الجيوسياسية الجامع والحاوي لما أسمي ببر الشام، أو الهلال الخصيب، في تحليله للمكونات واجتماعها ضمن المنظومة القوميّة. في هذا الأمر ليس من إشارة إلى ذوبان الأنظمة بخصوصياتها ولا ذوبان مناطق بنرجسياتها، بل هناك تلاق في وحدة متناغمة تجتمع فيها الإرادات والخصوصيات في ترسيخ وجودها ودورها من التاريخ إلى الحاضر والمستقبل.
ميزة حزب الله في المعركة التي يخوضها في جرود عرسال وصولاً إلى جبال القلمون، بمساندة الجيشين اللبنانيّ والسوريّ كل من مناطقه، أنه يجسّد رؤية بعيدة المدى تساعد القوم على بناء عالم جديد ومتوثب زُرِعَ الإرهاب التكفيريّ في وسطه لكي يمزّقه، وتلك كانت إرادة إسرائيل بخلق أنماط أصوليّة لا تنتمي إلى التاريخ والجغرافيا بل تعيش خارج دائرة الكون الزمن، لقد أكّد مفكرون مشرقيون في معظم كتاباتهم وأحاديثهم بأنّ الأصولية اليهوديّة مبعث ورحم لكلّ الأصوليات، وتشاؤها قوى مانعة من تقدّم المشرق العربيّ وخليجه نحو نظام ديمقراطيّ يملك القدرة على فتح كوّة بل كوّات في هذا الجدار السميك، وتمزيق البراقع المغطية للوجوه، والمساهمة في أي تقدّم سياسيّ واقتصاديّ وثقافي وعلميّ. بهذا المعنى يتأكّد يومًا فيومًا بأنّ حزب الله خارج هذا السياق، بل يجيء من سياق إسلاميّ مجتهد ومتقدّم في العمق الفكريّ والإيديولوجيّ والاستراتيجيّ، وفي انعطافاته اللبنانيّة الداخليّة مع الجميع وهو مأخوذ إلى بهاء التنوّع، وقد باتت سمة التنوّع قناعة راسخة، ولولا ذلك لما تشارك والتيار الوطني الحرّ في كتابة ورقة التفاهم كوثيقة فاعلة تؤكّد عمق هذا التلاقي العميق بإيمان كبير.
المعركة الحاسمة والمحسومة في جرود عرسال غير منفصلة عن هذا البعد الوجوديّ الكبير. فقد انخرطت فيه وهي تعبّر عنه. فقبل الدخول الأميركيّ المتجدّد أرض المعركة في سوريا ضمن مقولة الحرب على الإرهاب، وقبل الدخول الروسيّ أيضًا دخل حزب الله أرض المعركة في سوريا، قاتل إلى جانب الجيش السوريّ بلا هوادة، تحمّل معارضة الداخل اللبنانيّ كما تحمّل حربًا خليجيّة عليه نتيجة قراره، حاولوا الضغط من مطارح ومواقع عديدة، وبقي الحزب ثابتًا في حربه، فهي توازي معركته مع إسرائيل، بل إنّ الحزب في الحرب على الإرهاب يحارب إسرائيل كدولة أصولية وتكفيريّة بدورها، مولدة للأصوليات، وقد اتضح بأنّ معظم قادة هذه المنظمات من الجزائريّ إلى سواه هم صهاينة ينتمون إلى الموساد الإسرائيليّ. حزب الله على هذا المستوى يقود حربًا وجودية برؤى استراتيجيّة، يحارب العدوّ كما يحارب الأرض الوعرة بتضاريسها فوق الجبال الصخرية الشاهقة، ويحقّق كلّ نصر مبين.
اوساط متابعة تقول ان حزب الله ما قبل حرب الجرود شيء وما بعدها شيء اخر أن خوض الحزب لمعركة القصير وتحريرها من المسلحين، غيّر مجريات الأحداث كلّها، فأمّن الطريق نحو تحرير حمص، ومن حمص أمّن تحرير مواقع عديدة منها منطقة وادي النصارى التي كانت مهدّدة من الإرهابيين التكفيريين، ومنها نحو الساحل السوريّ والساحل اللبنانيّ. معركة القصير بعمقها الاستراتيجيّ هزمت مشروع القوى التكفيرية وكانت المقدّمة لانكسار إمارة التكفيريين وكسر مشروعهم وهو إنشاء إمارة إسلامية - تكفيرية ممدودة نحو شاطئ المتوسط. ولولا هذه المعركة ببعدها الاستراتيجيّ لما استعادت الدولة السورية حلب والدولة العراقية الموصل. ولما سقطت بينهما منطقة تدمر وقبلها قلعة الحصن في وادي النصارى. المعركة التي يخوضها الحزب في الجرود الآن تحوي المنطلقات الاستراتيجيّة عينها، فهي مطلّ جديد سيعبد الطريق نحو معادلات جديدة في عمقها الاستراتيجيّ، فبمجرّد تطهير هذه المنطقة وصولاً إلى جرود راس بعلبك والقاع وجديدة الفاكهة، يكون الحزب قد ربط ما بين الحدود اللبنانيّة-السوريّة والحدود السوريّة العراقيّة، ولينطلق بعد حين إلى تحرير مناطق ريف دمشق وبعضها يقع على طريق دمشق بيروت، ومنع قصف دمشق بين الفينة والأخرى. هذه المقومات ستسوّغ بدورها للبنانيين لكي يؤسسوا لحلّ مسألة النازحين السوريين وتطهير مخيم عين الحلوة من القوى الإرهابية والتكفيريّة.
بفعل تلك المعارك مضاف إليها الانتصارات التي حققها الحزب بوجه إسرائيل سنة 2000 وسنة 2006، تحوّل الحزب إلى رقم صعب يصعب على معظم القوى النيل منه. فمعركة القصير حولته إلى مقاتل ومحرر في الداخل السوريّ، ومعركة الجرود ستجعل أوراقه راسخة في سعي الدول المعنية بالصراع نحو تسوية في الداخل السوريّ، كما أيضًا في الداخل اللبنانيّ، في فتح الطريق نحو دمشق، وفي رسم خريطة التحالفات خلال الانتخابات النيابية المقبلة إنطلاقًا مما تحقق، فالواقعية السياسيّة تفرض تلك النوعية من القراءة والتحالفات.
حزب الله يعبر من ضفّة إلى أخرى، لم يعد هالة استراتيجيّة داخلية بل عربية ومشرقية وإسلامية، وإقليمية ودوليّة. حزب الله في معاركه السورية ضدّ جبهة النصرة وتنظيم داعش يقاتل عن العالم كلّه. حين فرض الأميركيون عقوباتهم على حزب الله، جاءهم ردّ من الروس على لسان الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، لماذا تفرضون عقوبات على حزب يقاتل من تبغون مقاتلته وشنّ الحرب ضده، أي الإرهاب؟ ولماذا تهددون رئيسًا (أي الرئيس السوريّ بشار الأسد) يقاتل بدوره من ترفعون لواء الحرب وتقرعون الطبول بوجههم. لقد ثبت بأنّه الحزب لو لم يتدخل في الداخل السوريّ لكان الإرهاب خطف لبنان إلى غير وجهه، قتال الحزب غيّر المسرى كلّه وأنقذ لبنان وسوريا والعراق، ومعركة الجرود التي يخوضها إلى جانب الجيشين السوريّ واللبنانيّ، أكّدت هذه الرؤية من جديد، وستقود إلى انبلاج فجر جديد ما بين لبنان وسوريا يضيء الظلمة فيهما ويقود البلدين معًا نحو رخاء كامل.
سيلمس الرئيس سعد الحريري تلك الحقيقة خلال زيارته لواشنطن وعند عودته ستفتح السبل نحو ترسيخ علاقات واضحة بين لبنان وسوريا. فلبنان بحاجة لسوريا ليكون منصة لإعمارها، وسوريا بحاجة إلى لبنان ليكون وطنًا قويًّا داعمًا للحلول فيها. لبنان وسوريا قلب التاريخ المشرقي والجغرافيا المشرقيّة، وسوريا رئة لبنان نحو العالم العربي والأوروبيّ، وحزب الله مع الجيشين طهّر القلب والجسد من الأدران الفاسدة والقاتلة، لتعود بيروت لؤلؤة المتوسط وحلب شهباءنا وحمص أرض اللقاء الطيب بين جميع المكونات، والشام عروسة المشرق بكلّ بهائه وجماله، بيروت ودمشق طريقان نحو فلسطين تستعاد قريبًا.